Sunday, July 29, 2007

المفاهيم الأساسية للمسيحية الصهيونية

المفاهيم الأساسية للمسيحية الصهيونية
تقرير واشنطن

--------------------------------------------------------------------------------
حمل غالبية المهاجرين الأوروبيين إلى الأراضي الأمريكية العقيدة البروتستانتية الأصولية التي كانوا يحاولون تطبيقها في مجتمعاتهم ولم ينجحوا. ومنذ بداية تأسيس الدولة الأمريكية في القرن الـ17 لعبت الرؤى الأصولية المسيحية البروتستانتية دورا كبيرا في تشكيل هوية الدولة.
المسيحية الصهيونية تأثرت العقيدة البروتستانتية كثيرا باليهودية، ونتج عن هذا التأثر تعايش يشبه التحالف المقدس بين البروتستانتية واليهودية بصورة عامة، وخلقت علاقة أكثر خصوصية بين الصهيونية اليهودية والبروتستانتية الأصولية.
وتتميز البروتستانتية في الولايات المتحدة بصفتين يمكن من خلالهما فهم محاور حركة المسيحية الصهيونية:• هيمنة الاتجاه الأصولي على البروتستانتية.• سيطرة التهود على الأصوليين البروتستانتيين.وآمنت المسيحية الصهيونية Christian Zionism "قبل تأسيس دولة إسرائيل" بضرورة عودة الشعب اليهودي إلى أرضه الموعودة في فلسطين، وإقامة كيان يهودي فيها يمهد للعودة الثانية للمسيح وتأسيسه لمملكة الألف عام. وتمثل فكرة عودة اليهود إلى فلسطين حجر الأساس في فكر المسيحية الصهيونية، لذا كانت فكرة إنشاء "وطن قومي لليهود في فلسطين" التي آمن بها المسيحيون البروتستانت قبل إيمان اليهود أنفسهم بها هي أهم ما يجمع بين الطرفين.
ومصطلح المسيحية الصهيونية لم يتم الإشارة إليه كثيرا قبل حقبة التسعينيات من القرن الماضي، وتصنف هذه المدرسة ضمن جماعات حركة البروتستانت الإنجيليين Protestant Evangelical ، ولهذه الحركة ما يقرب من 130 مليون عضو في كل قارات العالم.
ويمكن تعريف المسيحية الصهيونية بأنها "المسيحية التي تدعم الصهيونية"، وأصبح يطلق على من ينتمون إلى هذه الحركة اسم "مسيحيين متصهينين".
وتتلخص فكرة هذه الحركة في ضرورة المساعدة لتحقيق نبوءة الله من خلال تقديم الدعم لإسرائيل.
وتريد المسيحية الصهيونية إعادة بناء الهيكل اليهودي في الموقع الذي يقوم عليه المسجد الأقصى اليوم. وفي نظرهم يتم ذلك عن طريق تحقيق هيمنة إسرائيلية كاملة على كل "فلسطين"، كون فلسطين هي (الأرض الموعودة). وتعتقد المسيحية الصهيونية أن من شأن القيام بذلك تعميم البركة الإلهية على العالم كله.
نشأة الحركة نشأت المسيحية الصهيونية -كما نعرفها اليوم- في إنجلترا في القرن الـ17، حيث تم ربطها بالسياسة لا سيما بتصور قيام دولة يهودية حسب زعمها لنبوءة الكتاب المقدس، ومع بدء الهجرات الواسعة إلى الولايات المتحدة أخذت الحركة أبعادا سياسية واضحة وثابتة، كما أخذت بعدا دوليا يتمثل في تقديم الدعم الكامل للشعب اليهودي في فلسطين.
وتتصل جذور هذه الحركة بتيار ديني يعود إلى القرن الأول للمسيحية ويسمى بتيار الألفية (Millenarianism)، والألفية هي معتقد ديني نشأ في أوساط المسيحيين من أصل يهودي، وهو يعود إلى استمرارهم في الاعتقاد بأن المسيح سيعود إلى هذا العالم محاطا بالقديسين ليملك في الأرض ألف سنة ولذلك سموا بالألفية.
هناك تفسير اعتمد تاريخيا في العقيدة المسيحية ينص على أن الأمة اليهودية انتهت بمجيء المسيح، وأن خروج اليهود من فلسطين كان عقابا لهم على صلب السيد المسيح، وأن فلسطين هي إرث المسيح للمسيحيين، إلا أن ظهور حركة الإصلاح الديني في أوروبا في القرن الـ16 تبنت مقولة أن "اليهود هم شعب الله المختار"، وأنهم الأمة المفضلة عند الرب، وأن هناك وعدا إلهيا يربط اليهود بفلسطين، لذا ارتبط الإيمان المسيحي البروتستانتي بعد حركة الإصلاح بالإيمان بعودة المسيح الثانية بشرط قيام الكيان الصهيوني على كل أرض فلسطين.
وحدث انقسام بين منظري المسيحية الصهيونية في القرن الـ19، وظهرت مدرستان، البريطانية الداعمة لنظرية تحول اليهود للمسيحية قبل عودتهم لفلسطين كمسيحيين، والأمريكية التي آمنت بأن اليهود سيعودون إلى فلسطين كيهود قبل تحولهم للمسيحية.
ورأس فكر المدرسة الأمريكية القس الأيرلندي جون نيلسون داربي الذي يعتبر بمثابة الأب الروحي لحركة المسيحية الصهيونية الأمريكية.
وخلال 60 عاما بشر داربي لنظريته بكتابة العديد من المؤلفات التي فصلت رؤيته لنظرية عودة المسيح الثانية، ونظرية الألفية. وقام داربي بست زيارات تبشيرية للولايات المتحدة، ومن ثم أصبح داعية مشهورا ومدرسا له أتباع كثيرون. وحمل لواء الحركة من داربي عدة قساوسة من أشهرهم داويت مودي الذي عرف بترويجه لنظرية "شعب الله المختار"، وويليام يوجين بلاكستون الذي ألف كتاب "المسيح آت" عام 1887 وأكد فيه على نظرية حق اليهودي طبقا لقراءته للتوراة في فلسطين. إلا أن أكثر المنظرين تطرفا كان القس سايروس سكوفيلد الذي ألف كتابا عنوانه "إنجيل سكوفيلد المرجعي" عام 1917، وهو الكتاب الذي أصبح بمثابة المرجع الأول لحركة المسيحية الصهيونية.ومن أشهر السياسيين الذين أسهموا في نمو حركة المسيحية الصهيونية عضو البرلمان البريطاني اللورد شافتسبري، وكان شافتسبري مسيحيا محافظا وعلى علاقة جيدة بصانعي السياسة البريطانيين في منتصف القرن الـ19. وفي العام 1839 ذكر شافتسبري في مقال نشر في دورية شهيرة Quarterly Review أنه "يجب أن نشجع عودة اليهود إلى فلسطين بأعداد كبيرة، حتى يستطيعوا مرة أخرى القيام بالرعي في سامراء والجليل"، وكان ذلك قبل 57 عاما من ظهور الحركة الصهيونية العالمية، وكان اللورد شافتسبري هو أول من وصف اليهود وفلسطين قائلا "شعب بلا وطن.. لوطن بلا شعب".
يعد تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية الحديثة هو أول من استخدم مصطلح "الصهيونية المسيحية"، وعرف المسيحي المتصهين بأنه "المسيحي الذي يدعم الصهيونية"، بعد ذلك تطور المصطلح ليأخذ بعدا دينيا، وأصبح المسيحي المتصهين هو "الإنسان الذي يساعد الله لتحقيق نبوءته من خلال دعم الوجود العضوي لإسرائيل، بدلا من مساعدته على تحقيق برنامجه الإنجيلي من خلال جسد المسيح".
تيودور هرتزل نفسه آمن وطرح فكرة الدولة اليهودية ولم تكن دوافعه دينية بالأساس، فهو قومي علماني، وأعلن استعداده لقبول استيطان اليهود في أوغندا أو العراق أو كندا أو حتى الأرجنتين، أما المسيحيون المتصهينون فقد آمنوا بأن فلسطين هي وطن اليهود، واعتبروا ذلك شرطا لعودة المسيح، لذا انتقدوا الموقف المتساهل من قبل تيودور هرتزل.
أدبيات حركة المسيحية الصهيونيةتلتقي الحركتان الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية حول "مشروع إعادة بناء الهيكل اليهودي في الموقع الذي يقوم عليه المسجد الأقصى اليوم". لذا فالهدف الذي تعمل الحركتان على تحقيقه يتمحور حول فرض سيادة يهودية كاملة على كل فلسطين بدعوة أنها "أرض اليهود الموعودة" ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تعميم البركة الإلهية على كل العالم. وترجمت معتقدات هذه الحركة بداية في العام 1917 مع صدور وعد بلفور "الذي أيد فكرة وطن قومي لليهود في فلسطين" وافق أغلب البروتستانت الأمريكيين على هذه الفكرة واعتبروا تنفيذها واجبا دينيا راسخا.
وتأثرت المسيحية الصهيونية بثلاثة توجهات يجمع بينها خلفية التفسير الديني المعتمد على النصوص التوراتية، ورغم تباين هذه التوجهات وتناقضها بعضها مع بعض أحيانا، فإن التفسير الحرفي للتوراة والإيمان بضرورة مساعدة إسرائيل جمع بينهم. والحركات الثلاث هي:1. حركة تهتم بقضية نهاية العالم ومؤشراته.2. حركة تهتم بقضية التقرب من اليهود من أجل المسيح.3. حركة تركز على الدفاع عن إسرائيل وعلى مباركتها ودعمها بكل ما هو ممكن ومتاح.وأهم ما يجمع بين المسيحية الصهيونية واليهودية اليوم يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط أساسية: 1. التراث المسيحي اليهودي المشترك.2. الأخلاق اليهودية المسيحية.3. الالتزام الأدبي والأخلاقي بدعم إسرائيل.تترجم حركة المسيحية الصهيونية أفكارها إلى سياسات داعمة لإسرائيل، وتطلب ذلك خلق منظمات ومؤسسات تعمل بجد نحو تحقيق هذا الهدف. لذا قامت حركة المسيحية الصهيونية بإنشاء العديد من المؤسسات مثل "اللجنة المسيحية الإسرائيلية للعلاقات العامة" ومؤسسة الائتلاف الوحدوي الوطني من أجل إسرائيل"، ومن أهداف هذه المؤسسات دعم إسرائيل لدى المؤسسات الأمريكية المختلفة، السياسي منها وغير السياسي.
وهناك ما يقرب من 40 مليونا من أتباع الصهيونية المسيحية داخل الولايات المتحدة وحدها، ويزداد أتباع تلك الحركة خاصة بعدما أصبح لها حضور بارز في كل قطاعات المجتمع الأمريكي.
ويشهد الإعلام الأمريكي حضورا متزايدا لهم حيث إن هناك ما يقرب من 100 محطة تلفزيونية، إضافة إلى أكثر من 1000 محطة إذاعية ويعمل في مجال التبشير ما يقرب من 80 ألف قسيس.
وامتد نفوذ الحركة إلى ساسة الولايات المتحدة بصورة كبيرة وصلت إلى درجة إيمان بعض من شغل البيت الأبيض بمقولات الحركة والاعتراف بهذا علنيا. الرئيسان السابقان جيمي كارتر "ديمقراطي" ورونالد ريغان "جمهوري" كانا من أكثر الرؤساء الأمريكيين إيمانا والتزاما بمبادئ المسيحية الصهيونية

----------------------------------------------------------------------------

7 :عدد الردود


GMT 6:25:18 2007 السبت 5 مايوالعنوان: long before 1917

الأسم: hussein
yes this is true and i add to this: Israel was in the mind of america since the 18th centuiry.the idea of a jewish state in palestine was long before balfour declaration. the us role in establishing the state of israel can be found indetails in this book: Israel in the Mind of america, written by Peter Grose. it was published in 1984 by alfred a. knopf inc. new york.



--------------------------------------------------------------------------------

GMT 16:10:24 2007 السبت 5 مايوالعنوان: العودة الى العهد....

الأسم: د. عبدالله عقروق
أن مارتن لوثر المنشق عن الكنبسة الكاثوليكية ، ومؤسس الحركة البرتستانتيه في العالم هو من اصل اليهود . البرتستانتيه الغربية ما هي الأ دعوة لتحويل الكتاب المقدس من العهد الجديد الى العهد القديم . ونقل المسيحيةالى جذورها اليهودية. ولم تعد الصهيونية العالمية قاصرة على اليهود المتطرفين ، بل اصبحت تشمل المسيحين والمسلمين ايضا الذين باعوا ضمائرهم لخدمة الصهيونية العالمية. أنا كنصراني عربي ارثدوكسي ، ابغض جدا بأن اكون مسيحيا ، بل افتخر ، واعتز بأنني عربي نصراني ، من اتباع الكنيسة الأولى للسيد المسيح في القدس والتي حافظ على بقائها دين الدولة الأسلام



--------------------------------------------------------------------------------

GMT 16:13:13 2007 السبت 5 مايوالعنوان: تابع..العودة ال...

الأسم: د. عبدالله عقروق
المسيحيةالغربية الأن قد كرست جل اهتمامها لعاملين هاميي. العامل الأول اعادة المسيحية الى العهد القديم ، وبناء دولة اسرائيل كما ورد في العهد االقديم . والعامل الثاني ، هو القضاء على الكنيسة الشرقية الأرثوكسية. وهذا أحد اسباب الحروب الصليبية ايضا. ولكن بقوة ايمان النصارى العرب بدينهم ، وبمساندة الأسلام الحنيف فشل الغرب في اخضاع الكنيسة الشرقية لنفوذهم المسيحية الصهيةنية العدو اللدود للمسلمين ، والنصارى العرب . فأنا أهيب بكل نصراني عربي بأن يتنصل عن مسيحيته ، ويفتخر بأنه عربي نصراني، ويعمل جاهدا بقاء النصرانية كما أمر مخلصنا وفادينا بسوع المسيح الذي ارسله الله ليخلص اليهود من فجورهم ، ويبنقلهم الى دينه. وما حصل الأن فهو عودة اتباعه الغربين الى عهود اليهود ، وبني اسرائيل



--------------------------------------------------------------------------------

GMT 17:54:14 2007 السبت 5 مايوالعنوان: انا شرقي مسيحي

الأسم: مدمن ايلاف القبطي
فات صاحب التقرير ان يبين راي هؤلاء بالمسيحيين الشرقيين...حيث تعتبر تلك الحركه الشرقيين الارثوذكس والكاثوليك غير مسيحيين ويجب مخاربتهم وشكرا



--------------------------------------------------------------------------------

GMT 19:16:55 2007 السبت 5 مايوالعنوان: الكنيسة الغربية.....

الأسم: د. عبدالله عقروق
ن مارتن لوثر المنشق عن الكنبسة الكاثوليكية ، ومؤسس الحركة البرتستانتيه في العالم هو من اصل يهودي . البرتستانتيه الغربية ما هي الأ دعوة لتحويل الكتاب المقدس من العهد الجديد الى العهد القديم . ونقل المسيحيةالى جذورها اليهودية. ولم تعد الصهيونية العالمية قاصرة على اليهود المتطرفين ، بل اصبحت تشمل المسيحين والمسلمين ايضا الذين باعوا ضمائرهم لخدمة الصهيونية العالمية. أنا كنصراني عربي ارثدوكسي ، ابغض جدا بأن اكون مسيحيا ، بل افتخر ، واعتز بأنني عربي نصراني ، من اتباع الكنيسة الأولى للسيد المسيح في القدس والتي حافظ على بقائها دين الدولة الأسلام.



--------------------------------------------------------------------------------

GMT 19:17:34 2007 السبت 5 مايوالعنوان: الكنيسة الغربية.....

الأسم: د. عبدالله عقروق
المسيحيةالغربية الأن قد كرست جل اهتمامها لعاملين هاميي. العامل الأول اعادة المسيحية الى العهد القديم ، وبناء دولة اسرائيل كما ورد في العهد االقديم . والعامل الثاني ، هو القضاء على الكنيسة الشرقية الأرثوكسية. وهذا أحد اسباب الحروب الصليبية ايضا. ولكن بقوة ايمان النصارى العرب بدينهم ، وبمساندة الأسلام الحنيف فشل الغرب في اخضاع الكنيسة الشرقية لنفوذهم المسيحية الصهيةنية العدو اللدود للمسلمين ، والنصارى العرب . فأنا أهيب بكل نصراني عربي بأن يتنصل عن مسيحيته ، ويفتخر بأنه عربي نصراني، ويعمل جاهدا بقاء النصرانية كما أمر مخلصنا وفادينا بسوع المسيح الذي ارسله الله ليخلص اليهود من فجورهم ، ويبنقلهم الى دينه. وما حصل الأن فهو عودة اتباعه



--------------------------------------------------------------------------------

GMT 19:18:17 2007 السبت 5 مايوالعنوان: الكنيسة الغربية تابع

الأسم: د. عبدالله عقروق
تابع المسيحيةالغربية الأن قد كرست جل اهتمامها لعاملين هاميي. العامل الأول اعادة المسيحية الى العهد القديم ، وبناء دولة اسرائيل كما ورد في العهد االقديم . والعامل الثاني ، هو القضاء على الكنيسة الشرقية الأرثوكسية. وهذا أحد اسباب الحروب الصليبية ايضا. ولكن بقوة ايمان النصارى العرب بدينهم ، وبمساندة الأسلام الحنيف فشل الغرب في اخضاع الكنيسة الشرقية لنفوذهم المسيحية الصهيةنية العدو اللدود للمسلمين ، والنصارى العرب . فأنا أهيب بكل نصراني عربي بأن يتنصل عن مسيحيته ، ويفتخر بأنه عربي نصراني، ويعمل جاهدا بقاء النصرانية كما أمر مخلصنا وفادينا بسوع المسيح الذي ارسله الله ليخلص اليهود من فجورهم ، ويبنقلهم الى دينه. وما حصل الأن فهو عودة اتباعه

ما علاقة مخطط تنصير العالم وتنصير واقامة اكبر صليب وحرب اميركا على الارهاب؟


ما علاقة مخطط تنصير العالم وتنصير واقامة اكبر صليب وحرب اميركا على الارهاب؟
--------------------------------------------------------------------------------
" صليب نازاريت "
بقلم الدكتورة: زينب عبد العزيز

بينما تتواصل وتتزايد عملية الهجوم على الإسلام والمسلمين فى العالم الغربى المسيحى المتعصب ، - ولا غرابة فى ذلك فعندما فشل الحلم الذى نسجه مجمع الفاتيكان الثانى ( 1965) بتنصير العالم عشية الألف الثالثة ، وهو ما خصص له البابا الراحل يوحنا بولس الثانى خطابا عُرف تهكماً فى الصحافة الفرنسية باسم "الخطة الخمسية" لتنصير العالم ، وإن كان اسمه الرسمى : "عشية الألف الثالثة" والصادر عام 1995 ، قام مجلس الكنائس العالمى بإسناد هذه المهمة ، فى يناير 2001 إلى الولايات الأمريكية لتنفيذها ، على أنها أكبر سلطة عسكرية أو السلطة المتفردة الغاشمة فى العالم ، فاختلقت مسرحية الحادى عشر من سبتمبر ، من نفس ذلك العام ، لتتلفع بشرعية دولية لإقتلاع الإسلام والمسلمين وفقا للفترة الجديدة التى تم تحديدها لذلك وهى : عام 2010 ، وأطلقوا عليه "عقد إقتلاع العنف " أو الشر ، الذى هو الإسلام فى نظرهم .. ولا أكتب هذا التقديم من باب السخرية أو اللغو ، وإنما من باب تحديد الموقف والإطار العام الذى يحيط بعنوان هذا المقال.. فبينما تتزايد عملية الهجوم على الإسلام والمسلمين ومحاصرة الوجود الإسلامى فى ذلك العالم الغربى المتعصب، ـ إذ أن هذا الإقتلاع يمثل جزء لا يتجزأ من مشروع العولمة ، الذى يتطلب أن يكون العالم أجمع خاضعا لنظام سياسى ـ إقتصادى ـ دينى ـ حضارى واحد ، حتى تسهل عملية قيادته ، ـ و بينما تتزايد هذه المحاصرة ، وتُمنع أو تُلغى مشاريع إقامة مساجد للمسلمين وإشتراط إلغاء المأذنة حتى لا تبدو للعيان ، وكأنها عورة فجة، مثل ما يدور حاليا فى سويسرا وإيطاليا خاصة .. بينما كل هذا يتم ويتواكب ، تتواصل عمليتان مختلفتان تماما و فى آن واحد ، هما : تهويد معالم مدينة القدس ، وقد فرغ منها تقريبا الصهاينة المحتلون لأرض فلسطين ، وتنصير معالم المدن الإسلامية بإقامة العديد من الكنائس التى أصبح عددها يزيد قطعا على أعداد شاغليها .. وآخر ما تمخض عنه مخطط تنصير العالم وتنصير معالم المدن الإسلامية هو ذلك المشروع المسمّى : " صليب نازاريت ".. و "نازاريت" بالإنجليزية أو بالفرنسية هو اسم مدينة "الناصرة" فى فلسطين المحتلة.. وقد تم الإعلان عن هذا المشروع منذ فترة للإكتتاب والمساهمة فيه وجمع الأموال اللازمة لإقامته و تزيينه ..ويبدأ المشروع بتحديد أن مدينة الناصرة " كانت صغيرة ولا معنى لها أيام يسوع. أما اليوم ، فهى تضم أكبر تجمع مسيحى فى الأراضى المقدسة. فهذه المدينة تضم ستين الفا من المواطنين : 35 % مسيحيون و 65 % مسلمون ". ثم يذكر المشروع عدد الزوار الذين يأتون كل عام لزيارة " هذا المكان تحديدا، حيث أمضى يسوع أكبر جزء من حياته وحيث بدأ يبشّر علنا بالكلمة الإلهية ". ثم تبدأ عملية التعريف بالمشروع ، ويقول النص :" إن مشروع صليب مدينة الناصرة يهدف إلى إقامة أكبر وأكثر الصلبان تأثيرا فى العالم ، بإرتفاع ستين مترا ، ويضم كنيسة رائعة فى محوره. وستتم كسوة الصليب من الخارج بحوالى سبعة مليون ومائتين الف بلاطة من الموزايكو اللامع ، باحجام مختلفة ، بكتابات بالأختيار. وهذه البلاطات ستصنع بأحجار من الناصرة ، وبالبلاتين ، أو بالفضة أو بالذهب. " وهذه الكنيسة المذهلة ، بالمنظر البانورامى الذى تطل عليه ، ستقام فى الداخل عند تقاطع عارضتي الصليب ، على مساحة 400 مترا من الأرضية . " وفى نطاق الخمسة كيلومترات المحيطة بهذا الصليب الضخم ، سيقام مركزا للزوار يقدم لهم منبعا متفردا من الإلهام ، وكذلك نشاطات تعليمية وترفيهية." والموقع المركزى للكنيسة وكذلك نسق التنقل بالمونوريل الدائرى سيتيح للسواح الوصول بسهولة إلى الكنائس المسيحية التاريخية، وإلى نافورة مريم والأسواق التجارية بالمدينة." كما سيصبح صليب الناصرة أيضا نقطة الدخول إلى مدينة الناصرة ، وهو موقع أثرى يكشف عن الجزء الأقدم من مدينة الناصرة والذى يعيد إحياء الحياة اليومية فى المدينة أيام يسوع " ..ذلك كان الوصف العام للمشروع ، أما الوصف التفصيلى فيقول : " صليب الناصرة ستتم كسوته ببلاطات من الموزايكو اللامع بالحجر وبالمعاد الثمينة، (بلاتين ، ذهب ، فضة) . سبعة ملايين ومائتين الف بلاطة من الموزايكو ستكسو هذا البنيان العظيم ، كل منها محفور باسم شاريه. والشارى يمكنه اختيار المادة ومكان وضع بلاطة الموزايكو على الصليب ". ثم يطالع القارىء البند التوضيحى التالى : " باقتنائك موزايكو بالكتابة التى تختارها ، فإنك تتقرّب من الأرض المقدسة بصورة متفردة و عميقة. ففى نفس قلب الناصرة ، حيث مريم العذراء قد سمعت أنها حصلت على رضى الرب ، ستكون بذلك قد أعلنت عن إيمانك بالرحمة الإلهية ، لك أو لشخص عزيز عليك ، كما ستكون علامة للأجيال القادمة. كما أنك بذلك ستلهم سكان مدينة مولد يسوع هم والزوار التى تستقبلهم القادمين من أركان العالم الأربعة. وخاصة، ستقوم بتشجيع الحب فى الله والتضحية التى يرمز لها الصليب." وبمساعدتك على بناء صليب الناصرة ، فإنك تتوحد مع الرمز العالمى للمسيحية ، فى نفس المكان الذى يقول لنا الكتاب المقدس ان الملاك جبرائيل قد أعلن لمريم العذراء أنها ستلد إبناً وستطلق عليه يسوع ".وبعد توضيح مزايا الإكتتاب أو الإشتراك ببلاطة من البلاطات الموزايكو ، يواصل البيان التعريف بباقى المشروع ، وهو : " المركز المسيحى " ، فيقول : " المركز المسيحى المرتبط بصليب الناصرة سيتضمّن متحفا ومساحات ترفيهية متداخلة تسمح بتصور الحياة فى المنطقة منذ الفى عام. كما سيوجد معرض دائم عن تاريخ الناصرة والمسيحية فى الأراضى المقدسة. " أما الترفيه الرئيسى للمركز فسيكون رؤية متداخلة للمواقع الرئيسية لفترة تبشير يسوع منذ الفى عام. وهذا العرض البصرى الحيوى للأراضى المقدسة أيام المعبد الثانى سيعاون الزائر على التجول بين المواقع الرئيسية للعهد الجديد : بيت لحم ، والجليل ، والقدس كما كانوا عليه أيام يسوع ".وبعد تقديم مختلف الخدمات التى سيمكن للكنيسة المشيّدة داخل تقاطع عارضتى الصليب ، يوضح المشروع : " أن مؤسسة صليب الناصرة ستخصص أغلب دخلها " لتدعيم جماعة المسيحيين المحليين ، فالمؤسسة ليست ذات أهداف ربحية وستضع مواردها لتحسين الناصرة إذ ان الرئاسة فيها لقيادات مسيحية من المواطنين. وأن نسبة من 15 % إلى 20 % من الدخل ستخصص للمؤسسات والجمعيات المعنية والتى تهتم أساسا بمستقبل الناصرة ، كتعليم أطفالها وشبابها. وأن 40 % ستموّل سلفيات لمشاريع نسائية ومشروعات صغيرة سياحية. وباسهامكم ستعملون على تدعيم المدينة وسكانها".
وأول ما نبدأ به هوالتعليق على ما جاء من معطيات فى عرض هذا المشروع الإستفذاذى : فإقامة صليب بارتفاع ستين متراً ، أى بارتفاع مبنى مكون من عشرين طابقا ( 60 على 3 ) ، فى مدينة ارتفاعات مبانيها متواضعة وأغلب سكانها مسلمين، حتى لو أخذنا بالنسبة الجائرة المكتوبة ، وهى ثلث مسيحيين وثلثين مسلمين ، فأقل ما يقال انها عربدة استفذاذية ، بحاجة إلى وقفة جادة من كافة المسؤلين ، المسيحيين منهم قبل المسلمين !. فلا يحق لمن هم أقل عددا ، لكى لا أقول أقلية ، ان يوصموا المدينة بطابعهم الدينى الصليبى بهذ الشكل. وإن كان مبتدعى هذا المشروع يعنيهم فعلا تخليد ذكرى يسوع، فمن المنطقى أن يخلدّوا المكان الذى صُلب فيه ـ كما يزعمون ، فى مدينة القدس ، والا يتركونها طغمة صائغة لليهود الذين " قتلوه وصلبوه " كما تؤكد الأناجيل فى عشرات المواضع ، وبدلا من تركهم يهودون معالمها كما يفعلون ، وليس فى مدينة الناصرة المحفوف تاريخها الإنجيلى بالمتناقضات ..فمن الناحية التاريخية : ان الثابت حاليا فى كافة الأبحاث العلمية ، وكثيرين ممن كتبوها كنسيين سابقين ، أن مدينة الناصرة لم تكن موجودة على الإطلاق أيام يسوع ، وانها تكونت فى اواخر القرن الثانى ، بدليل الخلط الوارد فى الأناجيل يشأن إقامة يسوع ، وهو ما سوف نراه بعدعدة أسطر ، وان من بناها بعد ضياع معالمها هم فرسان المعبد فى القرن الثانى عشر. أما باقية الآثار المسيحية من قبيل كنيسة المهد وغيرها ، فلم تكن موجودة يقيناً أيام يسوع ولا يعرف هو عنها أى شيئ ، مثلها مثل علامة الصليب التى أضيفت إلى المسيحية على مراحل فى الشكل ، وأن من أمر ببناء هذه الآثار هى والدة الإمبراطور قسطنطين حينما ذهبت لزيارة الموقع فى القرن الرابع.أما ما نطالعه من خلط بشأن مدينة الناصرة فى الأناجيل ، والتى تقع على بُعد أربعين كيلومترا من بحيرة طبرية ، فيؤكد ان هناك خلط واضح فى وصف سكن يسوع ، إذ ندرك من بعض الآيات ان مسكنه أعلى قمة الجبل على طرف بحيرة طبرية ، وهو ما يتمشى مع فكره انه ومعظم الحواريين كانوا من الصيادين ،( وان كان أحد الأناجيل يقول أنه كان نجارا مثل والده) وهو ما يبدو من إنجيل متّى إذ نطالع : " فى ذلك الصباح خرج يسوع من البيت وجلس عند البحر. فاجتمع اليه جموع كثيرة حتى دخل السفينة وجلس والجمع كله وقف على الشاطىء " (13 : 1و2 ). وهو ما يوضح ان بيته على البحيرة وليس على بُعد اربعين كيلومترا. كما نطالع فى إنجيل لوقا : " وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى " (4 : 16 ) وما أن نصل إلى الآية 28 من نفس الفقرة ونفس الموضوع حتى نطالع : "فامتلأ غضبا جميع الذين فى المجمع حين سمعوا هذا فقاموا وأخرجوه خارج المدينة وجاءوا به إلى حافة الجبل الذى كانت مدينتهم مبنية عليه حتى يطرحوه إلى أسفل. أما هو فجاز وسطهم ومضى وانحدر إلى كفر ناحوم مدينة من الجليل " (28 ـ 31). وهو ما يؤكد بالقطع ، وفقا لهذه الآيات ، ان المدينة التى تربى فيها يسوع على حافة الجبل وكان اليهود يريدون إلقاءه من عليه ، فهرب ! فمن غير المعقول ان يجرجره اليهود لمسافة أربعين كيلومترا لكى يلقوه من على الجبل الى البحيرة. كما ان مدينة الناصرة فى كافة الخرائط تقع على بُعد اربعين كيلومتراً !وفى حقيقة الأمر ، فإن الأناجيل لا تقدم شيئا عن تفاصيل حياة يسوع أكثر من انه وُلد فى مكان مختلف عليه ، وفى مدينة مختلف عليها، وفى تاريخ مختلف عليه أيضا. وبخلاف عملية الميلاد هذه ، فلا توجد اى معلومة بعد ذلك سوى انصرافه مع العلماء فى المعبد وكان فى الثانية عشر. وهى واقعة يشكك أكثر العلماء فى مصداقيتها. وأيا كانت صحتها من عدمها ، فلا يظهر يسوع بعد ذلك إلا وهو فى الثلاثين ليبشر ويعالج ، فى فترة مختلف عليها أيضا فهى من بضعة أشهر إلى ثلاث سنوات. وفيما بين سن الثانية عشر ، لو إفترضنا صدق الآية ، وسن الثلاثين ، فلا الأناجيل ولا الكنيسة برمتها و بكل مؤسساتها تعرف عنه أى شىء !! فبأى حق يقومون بتنصير معالم مدينة ثلثين سكانها من المسلمين ، بهذا الشكل الصارخ لكى لا أقول المنفّر. كما لا يحق لمخترعى ذلك المشروع تغيير المدخل التقليدى للبلدة وجعله يبدأ من عند ذلك المارد التنصيرى.ولا يسع المجال هنا لتناول كل الفريات الواردة بالنص الذى يعرض المشروع، من قبيل ان مريم سمعت بنبأ البشارة هناك ، والبشارة تقول ان اسمه "عمانويل" ، ورغمها أطلقوا عليه "يسوع" ، - وهو ما يكشف من جهة عدم إيمان ذويه بالبشارات ، ومن جهة اخرى استمرار عملية التزوير فى الوثائق الكنسية.كما ان استخدام دائرة قطرها خمسة كيلومترات ، المحيطة بهذا الصليب، لإقامة مركز للزوار ونشاطات اخرى ، فذلك يعنى ان المشروع سيجور على اراضى مسلمين : فالسكان هناك ، كما فى اى مدينة، متداخلون ، فبأى حق يتم هذا الإستيلاء؟ولا أقول شيئا عن الأسلوب الإستجدائى الإغرائى الذى يذكرنا بأيام صكوك الغفران ومهازلها ، ولا عن البذخ الممجوج الذى يُعلن عنه لكسوة ذلك المارد ببلاطات من البلاتين والذهب والفضة ، فى الوقت الذى يموت فيه الفلسطينيون جوعا وعطشا من الحصار المفروض عليهم ، وفى الوقت الذى يموت فيه ملايين الأطفال فى جميع انحاء العالم جوعا وعطشا ، وفى الوقت الذى تحصد الأوبأة والأمراض ملايين البشر..وما أبعد ذلك البذخ اللا إنسانى عن تعاليم يسوع ، الذى يزعم المشروع تخليد ذكراه ، فهو الذى كان يوصى تلاميذه وحوارييه بالتقشف والإبتعاد عن البذخ ، بل كان حتى يوصيهم بعدم التزود بالطعام ، اى ان يعيشون على الكفاف وعلى ما يجود به لهم الناس.. ومن الغريب ان تكون نفس هذه النقطة : البذخ الصارخ للكنيسة ورجالها هو نفس السبب الذى أدى إلى إنقسامها وانشقاقها إلى كل تلك الفرق التى جاهدت هى لإقتلاعهم ، وقتلت منهم بالفعل الملايين على مر العصور ، لكن من الواضح أن رسوخ التعصب الفاتيكانى أقوى وأعتى من أن يرتدع من تجارب التاريخ ، أو حتى من تجارب تاريخه الدامى ..ولا نرى اى سبب او مناسبة لإقامة مثل هذا العته التعصبى إلا دخول الفاتيكان فى عملية سباق مع اليهود ، مع أولئك اليهود الذين خرج من دينه لكى يبرئهم فى مجمع 1965 .. عملية سباق مع الصهاينة لإثبات الوجود المسيحى فى مقابل عملية تهويد القدس وضياعها من السيطرة الفاتيكانية .. لذلك اتوجه إلى كافة العقلاء من المسيحيين والمسلمين ، الرسميين منهم والمدنيين ، للعمل على إيقاف تنفيذ هذا المشروع الذى لن يمر يقينا بلا عمليات تطاحن وصراعات ما أغنانا جميعا عنها...

ليس دفاعا عن البابا بنديكيت


ليس دفاعا عن بنديكت..

بقلم الدكتورة زينب عبد العزيز إندلعت فى الأسابيع الماضية عاصفة من التعليقات ، فى الصحافة العالمية والمحلية ، وإن كانت أصداؤها هناك لا تزال تتواصل فى تباعد.. وذلك بسبب (الخطاب الرسولى) الذى أعلنه البابا بنديكت السادس عشر فى 7 / 7 / 2007 . واللافت للنظر أن التعليقات هنا فى القاهرة بدت كزوبعة فى فنجان ، زوبعة أندفعت وخبت ، مجرد إحتجاج ، وكأنها "تأدية واجب" ذراً للرماد فى الأعين ... مجرد إحتجاج على آراء وتعليقات لم ينطق بها الرجل فى هذا الخطاب ، وإن كان قد صدّق عليها لتصدر فى نص آخر ليس ، عن لسانه ، و إن كانت موجودة فى عشرات النصوص السابقة !.. وهو نفس ما كانت تتبعه محاكم التفتيش حينما تعذب شخصا وتدينه ثم تترك تنفيذ حرقه حيا للبوليس المدنى حتى لا تتهم بالقتل !والغريب هنا أن أحدا لم يرد علي البابا موضوعيا أو يناقشه فى العديد من النقاط التى تستوجب الرد ، سواء كان ذلك فى الخطاب الرسولى نفسه الذى يعلن بين السطور عن إجراءات أخرى قادمة ، أو فى الخطاب الملحق به والموجه للأساقفة لتنفيذه ، و هو موقع بنفس التاريخ 7 / 7 / 2007 . وانصبّت التعليقات بكلها ، مجرد تعليقات رافضة ، حول وثيقة صادرة عن " لجنة عقيدة الإيمان" ، وهو الإسم الحديث لمحاكم التفتيش التى ظل يترأسها الكاردينال راتزنجر لمدة أربع وعشرين سنة قبل أن يتم إنتخابه رئيسا للفاتيكان. وهذه الوثيقة كان قد تم عرضها عليه وأقر نشرها يوم 29 / 6 / 2007 . أى قبل إعلان خطابه الرسولى هذا باسبوع لمعرفته مسبقا ما سوف يثيره من تعليقات.والموضوع برمته لم يكن بحاجة إلى أى رد أو إنفعال لسبب بسيط وهو : أنه لم يأت بأى جديد ، بمعنى أن كل ما أغضب الجميع ، هنا وفى الخارج ، عبارة عن قرارات تتردد صراحة فى الغرب المسيحى منذ أيام مجمع الفاتيكان الثانى المنتهى عام 1965 بل وقبله بكثير جدا .. فما الذى أثار هذه الغضبة الخاطفة إن لم يكن نشرها وإعلانها إعلاميا بالصورة الصاخبة التى تمت بها ؟! ذلك ان واقع الأمر عادة ما يقوم الفاتيكان بالإعلان عن موضوع بصيغة ما للأتباع ويتناول نفس الموضوع بصيغة أخرى للكنسيين. وهى إحدى النقاط التى أثارها المونسنيور لوففر فى كتابه.إن الخطاب الرسولى للبابا لم يتناول إلا قراره هو الشخصى بالعودة إلى صيغة القداس قديما ، قبل المجمع ، وكان باللغة اللاتينية ، بينما يقف القس وظهره للجمهور. وقد استشهد البابا بالعديد من البابوات السابقين الذين غيّروا وبدّلوا فى الطقوس والعبادات بل وفى العقائد ، على هواهم ، على مر التاريخ ، أو تعديل وتبديل كتب القداس نفسه.. والجدير بالمناقشة فى هذا الخطاب كان الرد على التلاعب بالألفاظ والإستشهادات والتبرير ، من جهة ، ومن جهة أخرى وقوعه فى أكثر من خطأ ، ولو شكلا ، أهمها أنه استخدم فى نص خطابه كلمتين لافتتين ، الأولى : أقرر ما يلى ، واللافت للنظر فيها أنها مكتوبة كلها بالبنط الكبير : je DECIDE ، والثانية : آمر أن ، j'ordonne .. " آمر ان يكون لكل ذلك قيمة كاملة ثابتة وأن يراعى إعتبارا من 14 سبتمبر من هذا العام ، رغما عن أية أشياء عكسية او معارضة " .. والمعروف أن مجمع الفاتيكان الثانى كان قد أضاف ما يُعرف بالإدارة المجمعية الجماعية وهى la collégialité ، وكانت من المستحدثات التى أثارت المعارك آنذاك لأنها تعنى توزيع مسؤلية البابا على جماعة من الأساقفة العاملين معه. وهو ما يتناقض مع كون البابا من ألقابه "مندوب يسوع على الأرض" و"ممثل الرب"، الخ.. فهل سيُطلق على ذلك الفريق أيضا أنهم مندوبون يسوع وممثلوا الرب ؟.. ومرّت كالمعتاد مثلما يمر أى تغيير أو تعديل !.. والملاحظة الثانية : كيف يحق له هذا التغيير الذى أقره وهو العودة بطقس دينى إلى ما قبل المجمع ، كيف له أن يتخطى قرار مجمع مسكونى حضره قرابة 2500 من كبار الرتب الكنسية العليا فى العالم ، أى ان معظمهم كرادلة وأساقفة ؟ ألا يوضح ذلك للأتباع ولغير الأتباع ان المسائل عشوائية شخصية ، وأن الطقوس الدينية تتبدل وفقا للأهواء أو الظروف السياسية ؟ كيف و المجمع المسكونى ، أى العالمى ، ملزم - فى العرف الكنسى ، لكافة الكنائس والملوك والحكام المسيحيين ؟..والجدير بالذكر هنا أن البابا يوحنا الثالث والعشرين كان قد حذف من كتاب القداس السابق لعنة اليهود وإتهامهم بالخيانة والغدر لقتلهم السيد المسيح – كما يقولون، ووضع مكانها عبارة " لنصلّ من أجل اليهود ان يرفع ربنا الغشاوة من على قلوبهم ويسمح لهم بالإعتراف بيسوع المسيح"، وقام البابا بولس السادس فى عام 1970 بتعديل آخر هو : "لنصلّ من اجل الشعب اليهودى ، أول من إستمع إلى كلام الرب ليتمكن من مواصلة النمو فى حب اسمه والإيمان بعهده" ، وسبحان مبدل الأحوال !.. وما تجب الإشارة إليه هنا أنه على الرغم من خروج الفاتيكان عن تعاليم دينه الذى ظل قرابة الفى عام يفرضه قهرا بالقتل وحد السيف وذبح ملايين البشر من أجل إستقراره ، فإن اليهود ، بالمقابل ، لم يقدموا اى تنازل للآن او اى اعتراف بيسوع او حتى برفع تهمتهم بالزنى عن السيدة مريم التى برّأها الله عز وجل ووصفها فى القرآن الكريم بأنها اشرف نساء العالمين ! أما الخطاب المرسل إلى الأساقفة فهو بمثاية مذكرة تفسيرية يشرح لهم فيه ما قاله إجمالا فى خطابه الرسولى ، مستشهدا بمن سبقوه فى عملية التغيير والتبديل من البابوات على مر العصور ، شارحا السبب الحقيقى وراء هذا الخطاب وهو : إستعادة "جماعة القديس بيوس العاشر" التى كان الأسقف لوففر قد أسسها عندما اعترض على كل التنازلات التى قدمها مجمع الفاتيكان الثانى بخروجه عن الدين ، سواء بتبرأة اليهود من دم المسيح أو بفتح باب الحوار مع المذاهب المسيحية الأخرى أو الحوار مع غير المسيحيين . وما كان من الأسقف مونسنيور لوففر إلا ان ابتعد عن كنيسة روما و ضم المعترضين مثله وأسس كنيسة وراح يقوم بعمليات ترسيم للقساوسة ، فحرمه البابا آنذاك.. وكانت هذه القضية تمثل أكبر جرح داخلى تعرضت له الكنيسة الكاثوليكية الرومية الرسولية فى فرنسا ، إبنتها الكبرى ..وفى عام 1976 أصدر لوففر كتابا بعنوان " أتهم المجمع" ، رد فيه على كل المآخذ والتنازلات التى اقترفها المجمع ، فى نظره ، فى مختلف الوثائق التى أصدرها مستشهدا بكل الوثائق السابقة التى تدين الأرثوذكسية والبروتستانية وتؤكد أنها ليست بكنائس .. وهى نفس العبارات الواردة بعد ذلك فى العديد من الوثائق الكاثوليكية الرسمية ، ومنها الخطاب الرسولى الذى كان الكاردينال راتزنجر كتبه للبابا يوحنا بولس الثانى بعنوان " الرب يسوع" ، وكرر نفس العبارات فى أول خطاب رسولى له بعد توليه كرسى البابوية ، وهو بعنوان " الله محبة" ..ورفض المونسنيور لوففر للحوار مع الكنائس الأخرى سببه أنها منشقة على العقيدة الكاثوليكية وبالتالى فهى ليست بكنائس ، وإنما مجرد جماعات شاردة ، عليها ان تعود إلى الكنيسة الأم طواعية وبلا أى محاولة من جانب روما، أى أن تعود إلى "الكنيسة الحقيقية الوحيدة فى العالم ، كنيسة روما" !.. وبما أننا فى العقد الذى يود فيه بابا الفاتيكان الإنتهاء من تحقيق أهم قضيتين إنعقد من أجلهما مجمع الفاتيكان الثانى ، وهما : "توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما من أجل إنشاء الكنيسة العالمية الوحيدة" بقيادة روما ، ومن أجل "تنصير العالم" ، لذلك أقْدم على ما أقدم عليه لرأب الصدع العميق ، فى كنيسته أولا ، وقدم ذلك التغيير أو التنازل إرضاءً لجماعة لوففر، رأباً لهذا الصدع داخل كنيسته قبل أن يضم إليها الكنائس الأخرى ، وهو فى طريقه إلى تنفيذ ذلك .. والطريف أنه طلب من الأساقفة الذين وجه إليهم ذلك الخطاب / المذكرة : " أن يحيطوه علما بأية مصاعب تصادفهم فى التنفيذ بعد ثلاث سنوات من بدء سريان تنفيذ خطابه الرسولى " !. فهو واثق من أن أية إعتراضات ستكون مجرد عمليات شكلية أو بضعة زوابع فى فنجان ..أما المذكرة التفسيرية التى أعدتها لجنة عقيدة الإيمان والتى تم إعتمادها قبل الإعلان عن الخطاب نفسه بأسبوع ، فهى بعنوان : " أجوبة على أسئلة تتعلق ببعض ملامح العقيدة عن الكنيسة" .. أى أن الأجوبة كُتبت بناء على أسئلة إفتراضية لم تكن قد طُرحت بعد ، وإن كانت تشير فى المقدمة أنها كُتبت " لكى لا يتم تحريف النقاش اللاهوتى بالخلط أو بسوء الفهم ".ويجيب السؤال الأول على ان هذا الخطاب الرسولى " لم يغير من مفهوم العقيدة السابق على مجمع الفاتيكان الثانى"!؟.. أما السؤال الثانى فيوضح " كيف يجب فهم تأكيد ان كنيسة المسيح لا تزال تتواصل فى الكنيسة الكاثوليكية وحدها"، بمعنى " أن المسيح أقام على الأرض كنيسة واحدة فريدة (...) وبها وحدها فقط ستظل تتواصل إلى الأبد كل العناصر التى أقامها المسيح شخصيا" .. والمعروف والثابت حاليا فى مئات المراجع أن السيد المسيح عليه الصلاة والسلام لم يقم أية كنيسة فى حياته ، بل ولا حتى أية عقيدة من العقائد الحالية ، وأولها تأليهه و إختلاق بدعة الثالوث التى تمت فى مجمع نيقية الأول عام 325 م ، وهو ما ادى إلى المعارك والمذابح الأولى. أما الآية التى يستندون إليها من ان يسوع قال : " أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى" (متى 16 : 18 ) فهى لا تتمشى مطلقا مع ما هو وارد فى نفس الإصحاح بعد ستة أسطر ، إذ نطالع : " وقال لبطرس إذهب عنى يا شيطان أنت معثرة لى لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" ( آية 23 ) ، بل ولا حتى مع الآية السابقة من نفس الإنجيل (14 : 31 ) ، إذ قال يسوع لبولس : " يا قليل الإيمان لماذا شككت " .. فكيف يكون شيطان وقليل الإيمان وتؤسس عليه الكنيسة ؟!..ويتناول السؤال الثالث شرح عبارة subsiste dans وتعنى بقى/ دام/ استمر ولم يكتف النص بعبارة " توجد " ، وذلك للتفرقة بين الكنيسة الكاثوليكية وبين الكنائس التى يرون أنها ضحية " تخلف / نقصان / قصور عقلى" ، وهى مختلف معانى كلمة déficiences التى تمت ترجمتها تأدبا بعبارة " معيبة " !ويدور السؤال الرابع حول لماذا لم يطلق مجمع الفاتيكان الثانى عبارة " كنيسة " على مختلف الكنائس الأرثوذكسية وإنما اكتفى بأنها " كنائس خاصة ومحلية " وتعد من " أخوات الكنائس الخاصة الكاثوليكية" أى أنها حتى ليست أختا صافية ، وذلك لأن لهم إيمان "مقبول شرعا" بالإفخارستيا ولكن لا يؤمنون برئاسة بابا روما على كافة الكنائس الأخرى .. لذلك هى تعانى من التخلف او من النقصان ! أما السؤال الخامس والأخير فيتعلق بسبب عدم إعتراف مجمع الفاتيكان الثانى وما بعده من وثائق " بالجماعات المسيحية الناجمة عن حركة الإصلاح فى القرن السادس عشر؟" ، ويقول الرد أن " هذه الجماعات لا تمتلك التسلسل الرسولى كما أنها لا تعترف بالإفخارستيا " ، - والإفخارستيا هى أن يؤمن الأتباع بأن قطعة الخبز ورشفة النبيذ التى يأكلونها ويشربونها " تتحول فى بطنهم فعلا وحقا إلى لحم ودم المسيح " .. والبروتستانت ليسوا وحدهم من ابتعد عن إحدى العقائد ، فالكنيسة الهولندية قد ألغت من طقوسها الإعتراف بالثالوث " على أنه لم يعد يتمشى مع العقل" إلى جانب أشياء أخرى، الأمر الذى أدى بالفاتيكان إلى إصدار كتاب تعليم دينى جديد عام 1992 ردا على الكنيسة الهولندية و تثبيتا لما استبعدته من الطقوس والعقائد .. وفى الختام يوضح الكاردينال ليفادا ، رئيس لجنة عقيدة الإيمان الجديد ،" أنه يود أن يتواصل الحوار بين الكنائس بالإخلاص لهوية العقيدة الكاثوليكية " .. أى ان الحوار مع الكنائس قادم مع تحديد التبعية او الأولوية لروما .. ولم أكتب ما تقدم من أجل الدفاع عن بنديكت السادس عشر ولكن لأتوجه بالسؤال إلى مسيحيى الشرق الأوسط ، وهم قرابة إثنى عشر مليونا من الأتباع كما هو وارد بالنصوص و المراجع : * ترى ما عساهم فاعلون عندما تتم الخطوة الثانية لضم الكنائس وفقا لكاثوليكية روما ؟ فالخطوة الأولى قد تمت فعلا بتوحيد عيد الفصح هذا العام فى جميع أنحاء العالم. ولم تكن مصادفة كما علق البعض قائلا أنها ظاهرة تتم كل خمسون عاما أو كل ثمانمائة عام ، إذ سبقتها محاولة تجريبية عام 2004 ، ولم يعترض أى شخص !* لماذا لم يرتفع أى صوت حينما قرر مجمع الفاتيكان الثانى عام 1965 توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما ؟ والنصوص كلها مطبوعة وليست سرية. هل لمجرد ان النصوص لم تكن آنذاك متداولة فى العلن كما هى عليه الآن ؟ أم لأن الحجة التى كررها البابا الراحل مرارا أن ذلك مطلوب لأنه السبيل الوحيد للتصدى للمد الإسلامى ؟.. (كتاب الجغرافيا السياسية للفاتيكان ،وغيره كثير)* لماذا لم يرتفع أى صوت من بين هذه الملايين الإثنى عشر فى طول الشرق الأوسط و عرضه ليعترض على قرار تنصير العالم وإقتلاع الإسلام والمسلمين كما هو واضح الآن لكل ذى عين ؟ بل لم يعترض حتى على قيام نفس مجمع الفاتيكان الثانى بفرض عملية التبشير والتنصير على الكنائس المحلية وعلى كافة الأتباع بموجب تعميدهم فى الصغر ؟! وكانت أول مرة فى التاريخ تقوم فيها الكنيسة باصدار قرار آمر لغير الكنسيين.. والكل وافق وانساق لإدخال عمليات التبشير فى كافة المجالات !* لماذا لم يرتفع صوتا واحدا مطالبا بحرية العقيدة للمسلين أو حتى ليوضح ان فرض عملية التبشير على الكنائس المحلية وعلى كافة الأتباع يضع المسيحيين أو الأقليات المسيحية فى وضع الخيانة والغش والخداع و التحايل ، فذلك هو ما تطالبهم به النصوص الخاصة بالمبشرين وما أكثرها؟! وما على المتشكك إلا أن يرجع للعديد من النصوص الكنسية والكتب التى تقوم بتعريف الحوار وكيفية ممارسته ، - وكلها نصوص صادرة عن الفاتيكان أو عن كنسيين . فالمطلوب أن تتم عملية التنصير دون أن تلقى اعتراض يذكر ، وذلك هو الغرض من الحوار فى نظرهم ! * لماذا لم يرتفع صوتا واحدا ليعترض أو حتى ليقول أن ذلك سوف يؤدى إلى الفتنة الداخلية والمعارك من جانب المسلمين دفاعا عن الإسلام ، أو أنه ليس من حق الأقلية ان تفرض دينها و رأيها على الأغلبية ؟؟* وأخيرا لماذا لم يرتفع أى صوت ليسأل ، مجرد سؤال ، بعد كل تلك التنازلات التى قدمتها الكنيسة لليهود ، و هى تعلم مدى مسؤليتها بل مسؤليتها الأساسية عن إنشاء ذلك الكيان الصهيونى المحتل لأرض فلسطين ، ماذا عساها فاعلة بهؤلاء اليهود الذين سمحت لهم بأول دولة عنصرية فى التاريخ : هل ستفرض عليهم التنصير أيضا أم أن الكنيسة هى التى ستتحول إلى اليهودية ؟؟ أسئلة مريرة ، لا أتوقع الرد عليها من أحد ، لكنها تكشف عن واقع جد خطير ، بحاجة إلى عقلاء العالم ليتصدوا له قبل أن يجرفنا الطوفان ..

خطاب مفتوح الي البابا بنديكتوس


خطــاب مفتوح إلى البابا بنديكتوس السادس عشر

بقلم الدكتورة زينب عبد العزيزأستاذة الحضارة االفرنسية
حضرة المحترم / أسقف روما ، ومندوب يسوع المسيح ، وخليفة أمير الرسل ، و الحبر الأعظم للكنيسة العالمية ، وكبير أساقفة إيطاليا ، والمطران الأسقفى للمقاطعة الرومية ، ورئيس دولة مدينة الفاتيكان ، وخادم خدّام الله ، ـ ولم أذكر" باتريارك الغرب" لأنكم تنازلتم عنه .. كما لايجوز لى إغفال لقب : رئيس مكتب عقيدة الإيمان ( محاكم التفتيش سابقا ) ، و الأستاذ المتفرغ بالجامعات الألمانية ، البابا بندكتوس السادس عشر ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أبدأ بهمسة عتاب كزميلة فى اللقب الجامعى ـ وهو المستوى الذى يدور فى نطاقه هذا الخطاب ـ وكإنسانة مسلمة ، نالها من الإهانة والمرارة والألم ما نال المسلمين فى العالم أجمع مما ورد فى المحاضرة التى القيتموها ، فى جامعة راتيسبون بألمانيا ، تحت عنوان :" العنف يتعارض مع طبيعة الله ومع طبيعة الروح"فمن يحمل على كاهله أمانة و مسؤلية كل هذه الألقاب ، عار عليه أن يتدنى إلى مستوى السب العلنى لدين يتمسك به و يتّبعه أكثر من خمس سكان العالم .. وعار عليه أن يختار موقف التحدى الإستفزازى للنيل من الإسلام و المسلمين.. وهو موقف يندرج بلا شك ضمن مسلسل الإساءة و المحاصرة الذى بدأ منذ بداية انتشار الإسلام و يتواصل حتى يومنا هذا . أنه موقف وضعكم على أرض احتقار الآخر ، و الكذب ، و الجهل ، باختياركم ، وكلها تشبيهات لا تليق بمن فى مثل منصبكم . فهو موقف يكشف عن مدى جهلكم بدينكم وبدين الآخرين من جهة ، و من جهة أخرى، هو موقف أشبه ما يكون بإطلاق العنان لحملات صليبية جديدة ما أغنانا جميعا عنها .. وتؤكد جريدة "لاكروا " المسيحية الصادرة فى 17 / 9 / 2006 ، أن المحاضرة قد تم الإعداد لها طويلا ، وقرأها العديد من المحيطين بكم ، مثلما يحدث مع كافة النصوص العامة على الأقل. كما تؤكد الجريدة أنه منذ يوم الأثنين 11 / 9 و " بينما لم يكن البابا قد نطق محاضرته بعد ، صدرت الصحف الإيطالية بعناوين حول بنديكت السادس عشر و الإسلام " ! الأمر الذى يؤكد ربط هذه المحاضرة فى هذا التوقيت بمسرحية الحادى عشر من سبتمبر !.. فما أصبح معروف يقينا رغم التمويه الشديد ، أن الأيادى المدبرة أمريكية رفيعة المستوى . وكان هدف المحاضرة واضحا فى ربطه بين الإسلام والإرهاب والشر .. أى أنه موقف متعمّد. ولقد جاء ردكم وتعبيركم عن " الحزن " الذى انتابكم من ردود الأفعال التى أثارتها محاضرتكم كعذر أقبح من ذنب ، فالباحث الأكاديمى حينما يستشهد فى بحثه ، يكون ذلك لأحد أمرين : إما لتأييد موقفه ، وإما لنقد ذلك الإستشهاد ـ ولا يوجد هناك ما يسمى باستشهاد لا يعبر عن رأى كاتبه بالمعنى الذى حاولتم التبرير به : فالكاتب هو الذى يستشهد . وقولكم أن هذه العبارات لا تعبر عن رأيكم الشخصى، فى الوقت الذى يؤكد صلب المحاضرة وسابق كتاباتكم وخاصة خطابكم الرسولى كلها كتابات تؤكد أنكم تعنونه ، وذلك يضعكم فى مصاف أولئك الباحثين الذين يضعون أفكارهم على لسان غيرهم حتى لا تحسب عليهم خشية عواقبها .. وهو موقف علمى يوصف بالجبن ولا يليق بمن فى مكانتكم . وحتى التصريح الصادر عن المكتب الإعلامى للفاتيكان يوم السبت 16/ 9/ 2006 والذى استشهد فيه المتحدث الرسمى بقرار وثيقة " فى زماننا هذا " الصادرة عن مجمع الفاتيكان الثانى سنة 1965 ، فهو أيضا بمثابة عذر أقبح من ذنب ، ويكشف عن الموقف غير الكريم والملتوى ـ لكى لا أقول ذوالوجهين للفاتيكان. فمن يطّلع على محاضر صياغة هذا النص تحديدا يصاب بالغثيان من كثرة ما جاهد كاتبوه لإستبعاد أن العرب من سلالة إسماعيل ، الإبن البكر لسيدنا إبراهيم، ولا ينتمون اليه ، وإنما يتخذونه مثلا !. واستبعاد حتى أن الله قد خاطب المسلمين عن طريق الوحى إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. والمرجع صادر عن الفاتيكان بعنوان " الكنيسة والديانات غير المسيحية" ، وبه محاضر الجلسات المخجلة . الأمر الذى يوضح مدى تمسككم باستمرار ذلك الموقف غير الأمين تجاه الإسلام و المسلمين ، لعدم الإعتراف به كديانة توحيدية. وسواء إعترفتم أو لا تعترفم به فالإسلام موجود ومعترف به من الجميع على أنه الرسالة التوحيدية الثالثة المرسلة للبشر، ورفضه أو إنكاره لا يدين إلا شخصكم. ولا يسع المجال هنا لتناول مختلف النقاط التى طرحتموها في تلك المحاضرة والتى تزيد عن العشرين موضوعا ، وسأكتفى بالرد على ما يخص الإسلام ، وهما نقطتان اساسيتان : ما وصفتم به الله عز وجل فى " المذهب الإسلامى " من ان التصعيد المطلق لله عبارة عن مفهوم لا يتفق ولا يتمشى مع العقل والمنطق ، ولا يمكن فهمه ، وأن إرادته لا ترتبط بأى واحدة من فئاتكم المنطقية ، ولا حتى فئة المعقول ؛ وأن سيدنا محمد عليه صلوات الله ، لم يأت إلا بكل ما هو شر ولا إنسانى ، مثل أمره بنشر العقيدة التى يبشر بها بالسيف ! . وأول ما يجب توضيحه هنا هو ان الإسلام ليس بمذهب ، كما وصفتمونه ، وإنما دين توحيدى متكامل ، شامل الأركان ، ثابت وراسخ ، وخاصة شديد المنطق والوضوح وهو ما يجذب الناس إليه. و مجرد إغفال مثل هذه الحقيقة يوصم موقفكم ويكشف عن مدى عدم الأمانة العلمية والموضوعية التى تتمسكون بها ! ولن أحدثكم هنا عن الإسلام الذى يمكنكم دراسته إن شئتم ، لكننى سأسألكم عن الكتاب المقدس بعهديه ، والذى ترون أنه بقسميه يتفق مع العقل والمنطق دونا عن القرآن ، مشيرين فى موضع آخر " أن العنف يتعارض مع طبيعة الله وطبيعة الروح ، وان الله لا يحب الدم و التصرف بمنافاة العقل يعد ضد طبيعة الله ". وهنا لا يسعنى إلا أن أسألكم عن كل ما هو وارد بالعهد القديم من أمر الإله يهوة لأتباعه بإبادة كل القرى وحرقها وذبح الرجال والنساء والأطفال بحد السيف و أخذ الذهب والفضة ... وفى مكان آخر يطلب تعذيبهم و تقطيعهم وحرقهم فى افران الطوب ... هل تتمشى مثل هذه الآيات مع العقل والمنطق فى نظركم ؟ وخاصة هل ترونها تخلو من الشر واللا إنسانية ؟! أم هذا هو التسامح الذى تقرونه ! وما هو وارد فى سفر حذقيال حين يأمره الرب أن يأكل خبزا وعليه "خراء الإنسان " وحينما اشتكى النبى حزقيال أمره أن يضيف عليه روث البقر! هل يتمشى هذا مع العقل والمنطق فى نظركم ؟! وأخجل حقا من ذكر بعض الإباحيات الواردة بهذا النص وغيره رغم محاولة درئها بتغييرها أو تعديلها من طبعة لأخرى .. والنصوص والطبعات موجودة . أما فى المسيحية التى تترأسون أعلى المناصب فيها ، فأبدأ بسؤالكم عن تأليه السيد المسيح فى مجمع نيقية الأول سنة 325 ، رغم وجود العديد من الآيات التى يقول فيها السيد المسيح ان "الرب إلهنا واحد " (مرقس 12:29) ، "ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله" (متى 16:19 ) ، "إنى أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهى و إلهكم " (يوحنا 20:17) ، " للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد" (متى 4:10) ، وما أكثر الآيات التى يوضح فيها أنه إنسان :" أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذى سمعه من الله " (يوحنا 8:40) ، كما أن هناك آيات تقول :" هذا يسوع النبى الذى من ناصرة الجليل " (21:11) ، و"قد قام فينا نبى عظيم " (لوقا 7:16) .. ورغم كل هذه التأكيدات التى لا تزال موجودة ولم تمحى بعد ، قامت المؤسسة الكنسية بإعلان أن يسوع "إله حقيقى من إله حقيقى ، مولود وليس مخلوق ، ومشارك للآب فى الجوهر" ..وبعد ذلك جعلته الله شخصيا ، فهل تتمشى كل هذه المغالطات مع العقل والمنطق ـ رغم أنها أدت إلى تقسيم المسيحية وإلى مذابح بين أتباعها ؟! وفى مجمع القسطنطينية الأول تمت إضافة أن " الروح القدس مشارك للآب فى الجوهر" ، مما أدى إلى إنفصال آخر للكنائس. وفى مجمع أفسوس سنة 431 أقر المجمع بدعة " أن مريم أم الله " ، مما أدى إلى معارك وانفصالات اخرى .. وفى مجمع خلقيدونيا سنة 451 أقر "الطبيعة الثنائية ليسوع " .. وكلها عقائد وقرارات لا يذكر ولا يعرف عنها يسوع أى شىء ، فهل هذا يتمشى مع العقل والمنطق ؟! والمعروف من إصداراتكم أنه لم يتم تقبل عقيدة التثليث لقرون طويلة بين الكنائس ، بحيث نطالع فى قرار مجمع فلورنسا المنعقد سنة 1439 ، الذى راح يحدد لليعاقبة معنى الثالوث لفرضه بلا رجعة ، وينص القرار على ما يلى : " إن العلاقة وحدها هى التى تفرق بين الأشخاص ، لكن الأشخاص الثلاثة يكوّنون إله واحد وليس ثلاثة آلهة ، لأنهم من جوهر واحد ، و طبيعة واحدة ، والوهية واحدة ، وضخامة واحدة ، وخلود واحد ، وان ثلاثتهم واحد حيث لا تمثل العلاقة أى تعارض " ، وعلى الذين لا يروقهم هذا الوضوح تجيب الكنيسة : أنه سرّ ! فهل مثل هذا المنطق هو الذى ترونه يتمشى مع العقل السليم ؟!.. تعتبرون سيادتكم أن نصوص الكتاب المقدس بعهده القديم ، القائم على الترجمة السبعينية، واناجيله الأربعة وباقى الكتب المرفقة ، هو الكتاب الذى يعتد به فهو يحتوى على الإيمان الإنجيلى وتستعينون بفكره طوال محاضرتكم بعد استبعاد القرآن. والمعروف تاريخيا ان القديس جيروم هو الذى صاغه بأمر من البابا داماز، بعد توليفه من اكثر من خمسين إنجيلا كانت منتشرة ومستخدمة حتى القرن الرابع. وعند الفراغ من مهمته كتب مقدمة للعهد الجديد موجها إياها للبابا داماز يقول فيها : " إلى قداسة البابا داماز ، من جيروم تحثنى على أن أقوم بتحويل عمل قديم لأخرج منه بعمل جديد ، وتريد منى أن أكون حكماً على نُسخ كل تلك النصوص الإنجيلية المتناثرة فى العالم ، وأن أختار منها وأقرر ما هى تلك التى حادت أو تلك التى هى أقرب حقا من النص اليونانى . أنها مهمة ورعة ، لكنها مغامرة خطرة إذ سيتعيّن علىّ تغيير أسلوب العالم القديم و أعيده إلى الطفولة. و أن أقوم بالحكم على الآخرين يعنى فى نفس الوقت أنهم سيحكمون فيه على عملى . فمن من العلماء أو حتى من الجهلاء ، حينما سيمسك بكتابى بين يديه ويلحظ التغيير الذى وقع فيه ، بالنسبة للنص الذى إعتاد قراءته ، ولن يصيح بالشتائم ضدى ويتهمنى بأننى مزوّر و مدنس للمقدسات ، لأننى تجرأت وأضفت ، وغيّرت ، و صححت فى هذه الكتب القديمة ؟ " وحيال هذه الفضيحة ، هناك شيئان يخففان من روعى ، الأمر الاول : أنك أنت الذى أمرتنى بذلك ؛ و الأمر الثانى : ان ما هو ضلال لا يمكن أن يكون حقا . وهو ما تقره أقذع الألسنة شراسة . وإذا كان علينا أن نضفى بعض المصداقية على مخطوطات الترجمة اللاتينية ، ليقل لنا أعداؤنا أيها أصوب ، لأن هناك من الأناجيل بعدد الإختلاف بين نصوصها. ولماذا لا يروقهم أن أقوم بالتصويب اعتمادا على المصادر اليونانية لتصويب الأجزاء التى أساء فهمها المترجمون الجهلاء ، أو بدّلوها بسوء نيّة ، أو حتى قام بعض الأدعياء بتعديلها. "وإذا كان علينا دمج المخطوطات ، فما يمنع أن نرجع ببساطة إلى الأصول اليونانية ونبعد بذلك عن أخطاء الترجمات السيئة أو التعديلات غير الموفقة من جانب الذين تصوروا أنهم علماء ، أو الإضافات التى ادخلها الكتبة النعسانين ؟ أننى لا أتحدث هنا عن العهد القديم والترجمة السبعينية باللغة اليونانية التى لم تصلنا إلا بعد ثلاث ترجمات متتالية من العبرية إلى اليونانية ثم إلى اللاتينية . ولا أود أن أبحث هنا ما الذى سيقوله أكويلا أو سيماّك ، أو لماذا آثر تيودوسيان الوسط بين المترجمين القدامى و الحداث . لذلك سأعتمد على الترجمة التى يمكن أن يكون قد عرفها الحواريون . " وأتحدث الآن عن العهد الجديد ، المكتوب بلا شك باللغة اليونانية فيما عدا إنجيل متّى الذى كان قد استعان أولا بالعبرية لنشره فى منطقة اليهودية. إن هذا الإنجيل يختلف يقينا عن الذى بلغتنا نظرا لتعدد المصادر التى استعانوا بها لتكوينه . وقد آثرت أن أرجع إلى نص أساسى، فلا أود الإستعانة بترجمات المدعوان لوشيانوس أو هزيكيوس التى يدافع عنها البعض بضراوة عن غير وجه حق ، واللذان لم يكن من حقهما مراجعة لا العهد القديم بعد ترجمة السبعينية ، ولا أن يقوما بمراجعة النصوص الجديدة . فالنصوص الإنجيلية التى وصلتنا بلغات شعوب مختلفة توضح مدى الأخطاء و الإضافات التى بها . وإذا كنت قد قمت بذلك بالنسبة للنسخ المكتوبة بلغتنا فلا بد وأن أعترف بأننى لم استفد منها شيئا ." ذلك هو حال الكتاب الذى تعتبرونه مقدسا ! وأكتفى بهذا القدر من الإستشهاد لأن باقى النص متعلق بترتيب الأناجل و تبويبها . وكان ذلك فى القرن الرابع الميلادى . أى أنه حتى ذلك التاريخ لم تكن الأناجيل المعروفة حاليا قد استتب أمرها . واندلعت الخلافات بين الكنائس لمدة قرون طويلة ، حتى قامت المؤسسة الكنسية الكبرى بفرض هذا الكتاب المقدس على الأتباع على أنه نصا منزلا و " أن مؤلفه هو الله " ، وذلك فى المجمع التريدنتى سنة 1547 . ثم قام مجمع الفاتيكان الاول المنعقد فى عامى1869 و1870 بإعلان أن الكتاب المقدس بعهديه " كتب بالهام من الروح القدس ، وان مؤلفه هو الله ، وأنها قد أُعطيت هكذا للكنيسة " .. أما مجمع الفاتيكان الثانى المنعقد بعد ذلك بحوالى تسعين عاما ، ظهرت خلالها من الدراسات والأبحاث التى أطاحت بمصداقية الكتاب المقدس ، ما جعله يعلن عن إصحاحات هذا الكتاب المقدس قائلا : " أن هذه الكتب وإن كانت تتضمن الناقص و الباطل ، فهى مع ذلك شهادات لعلم تربية إلهى حقيقى" !.. ترى يا سيادة البابا هل هذا هو المنطق الذى ترونه حقا ومفهوما ؟!.. ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى " ندوة عيسى " التى انعقدت فى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1992 ، وان أهم ما خرج به فريق العلماء المساهمين فيها وهم حوالى 200 باحثا لاهوتيا وأكاديميا ، أن 82 % من الأقوال المنسوبة إلى يسوع لم يتفوه بها وإنما صاغها كتبة الأناجيل، وان موت يسوع وبعثه حدث فى المكان و بالكيفية التى أرادها كتبة الأناجيل .. (صفحة 24 من مقدمة الكتاب الصادر عن الندوة) .. وما يأسف له هؤلاء العلماء هو الجهل الشديد لدى عامة المسيحيين بكتابهم المقدس وخاصة بالعهد الجديد ، وهو مستوى يرون أنه يصل إلى درجة الأمية ! واللهم لا تعليق على ما تعتبرونه مصدرا للعقل و المنطق والإلهام!! تقولون فى خطبتكم الموقرة أن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لم يأت إلا بأشياء شريرة ولاإنسانية ، من قبيل أمره ان يتم نشر ما يبشر به بالسيف ... لعلكم لا تجهلون أن البابا أوربان الثانى هو الذى أعلن قيام الحروب الصليبية باسم الرب فى مجمع كليرمونت ، قائلا : " إن الله يريدها " ، و أنه اطلق على المساهمين فيها لقب "جند يسوع " وأمرهم بوضع علامة الصليب على ثيابهم وعتادهم ، و وعد بغفران ذنوبهم وإعفائهم من الضرائب و أغدق عليهم العطايا .. ويصف المؤرخ المرافق للحملة و المعروف باسم " لانونيم " قائلا : " تم طرد المدافعين عن المدينة (القدس) بقتلهم وبترهم بالسيوف أحياء ، حتى معبد سليمان . وقد وقعت مجزرة لا مثيل لها بحيث أن جنودنا كانوا يغوصون باقدامهم فى الدماء حتى عراقيبهم " ، ثم يضيف بعد ذلك قائلا : " لعل ما أدى إلى نجاح ذلك الهجوم وغيره الإنقسام الذى كان سائدا آنذاك بين المسلمين " . وعندما سادت المجاعة ايام حصار عكا كان الصليبيون يسلقون أطفال المسلمين ويأكلونهم .. أذلك هو ما يندرج تحت مسمى العقل والأعمال الإنسانية وعدم الإنتشار بالسيف؟! كما تم إنشاء محاكم التفتيش لتواكب أعمالها ولتواصل ما أُطلق عليه عصر الظلمات الذى امتد حوالى ألف عام ، بمنع الأتباع من قراءة إنجيلهم ومنع التعليم إلا على رجال الدين ..و المعروف ان الحروب الصليبية لم توجه ضد المسلمين وحدهم فى الأراضى المقدسة ، وإنما إمتدت إلى إسبانيا لتعاون فى اقتلاع الإسلام ، كما امتدت الى أوروبا وجنوب شرق فرنسا لاقتلاع شعوب الكاتار والبوجوميل والفودوَا لأنهم حتى ذلك الوقت كانوا رافضين لبدعة تأليه السيد المسيح .. وما تذكره المراجع التاريخية والعلمية عن عمليات التعذيب التى تفننت فيها محاكم التفتيش من حرقها الناس أحياء أو خزء عيونهم أو إنتزاع لسانهم وهم أحياء أو دهن أرجلهم بالزيت ووضعها فوق النار بعد ربطهم حتى لا يتحركون من أماكنهم ليصيب القارىء بالغثيان .. وما كتبه القس بارتولوميه دى لاس كازاس عن وحشية أعمال المبشرين ورجال الكنيسة وجنودها عند غزوهم شعوب امريكا الجنوبية يفوق الخيال فى بشاعته .. ولم يُسمح بنشر مذكراته الا فى اواخر القرن العشرين . ولا يسع المجال هنا للتحدث عن الحروب الدينية بين المسيحيين كحرب الخمسين عاما، والمائة عاما ، والمجازر المميزة كمجزرة البروتستانت المعروفة باسم سانت بارتليمى .. ولا عن سرد كيفية تم فرض المسيحية بالسيف على أوروبا وضواحيها أو على باقى بعض شعوب العالم . وإذا ما تم حصر أعداد كل الذين تم قتلهم بأمر من الكنيسة الكاتوليكية الرومية الرسولية لوصل إلى مئات الملايين من الأبرياء ، وهو ما تذخر به المراجع .. فمثل هذه الأعمال تندرج تحت أى منطق فى نظر سيادتكم ، أم لعلكم تباركونها لبراءتها و تسامحها المسيحى ! سيادة الأستاذ والباحث المبجل ، إن كل ما تقدم وأكثر منه بكثير هو ثابت علميا وتاريخيا ووثائقيا ، بل أكثر منه جد كثير ولا يسع المجال هنا لذكره .. إنها مجرد شذرات. تقولون فى الفقرة الثالثة من محاضرتكم أن الله لا يحب الدم ، ومع ذلك تصرّون على استمرار العقيدة التى تفرض على الأتباع شرب دمه وأكل لحمه عند تناول الإفخارستيا . ومن لا يؤمن بذلك إيمانا قاطعا بأنه يشرب دمه فعلا ويأكل لحمه فعلا يكون كافرا وملعونا .. ومن الواضح ان هناك العديد من الأتباع الذين ينفرون من مجرد هذه الفكرة ، وتفاوتت حدة الصراعات الرافضة للإفخارستيا بالمعنى الكنسى ، وكان من أشهر هؤلاء جان فيكليف الذى ادانه مجمع كونستانس 1418 لأنه نادى بأن الخبز والنبيذ لا يتبدلان فى القربان ولا يتحولان ، وان المسيح لا يتواجد فعلا بلحمه ودمه فى القربان. فأدان المجمع كل مؤلفاته واتهمه بالهرطقة ، وبعد موته أمر المجمع بنبش قبره لإلقاء عظامه بعيدا عن المدافن الكنسية ( المجمع المسكونية ، ج2 صفحة 859 ) . ثم قام مجمع لاتران بادخال هذا الطقس الدموى ضمن عقيدة الإيمان ! وكانت آخر محاولة مبذولة لدراسة كيفية فرض فكرة أكل لحم المسيح و شرب دمه فعليا و حقيقيا ، ذلك العام الذى كرسه البابا يوحنا بولس الثانى فى أكتوبر 2004 والذى انتهى بانعقاد السينودس الذى أقيم من 2 إلى 23 أكتوبر 2005 ، وحضره 256 أسقفا من 118 بلدا حول موضوع : " الإفخارستيا فى الحياة و الرسالة الحالية للكنيسة " ، وقد قمتم بترأسه لوفاة البابا السابق. و تم أختيار هذا التاريخ ، 23 أكتوبر لإنهاء أعمال المؤتمر ، ليتفق مع " اليوم العالمى للتبشير " ... وهو ما يكشف عن أن عقيدة الإفخارستيا تقف عقبة فى عمليات التبشير التى تخوضونها وتجاهدون لتدارس كيفية فرضها ! ومن الواضح أن الإصرار على فرض هذه العقيدة بمثل هذا التشبث ، هى عملية تبرير لإستمرار ضرورة وجود طبقة القساوسة التى هى وحدها تمتلك سر تحويل الخبز و النبيذ " بقدرتهم السرّية " إلى لحم ودم المسيح الذى يتعيّن على الأتباع أكله شربه و إلا لا يحصلون على الخلاص!.. ولا نملك إلا أن نتعجّب لما تعتبرونه معقولا ومنطقيا و يتفهمه العقل والمنطق.. ولعل ذلك هو ما دفع الكاتب الفرنسى إميل زولا أن يقول فى إحدى رواياته : "إن الحضارة الإنسانية لن تتقدم إلا أذا سقط آخر حجر من آخر كنيسة على رأس آخر قسيس "! أنتقل بعد ذلك إلى مجمع الفاتيكان الثانى وقرارته سنة 1965 التى تمثل خروجا سافرا على نصوص و تعاليم العهد الجديد ، والتى تمثل جزءا كبيرا من المشكلات التى تواجه العالم حاليا . فعلى الرغم من اتهامكم اليهود فى قداس كل يوم أحد بأنهم قتلة الرب ، وعلى الرغم من وجود أكثر من مائة آية صريحة الوضوح فى اتهامها بالعهد الجديد ، نص ذلك المجمع من ضمن ما نص عليه فى نصوصه المتعددة ، على : * تبرأة اليهود من دم المسيح * إقتلاع اليسار فى عقد الثمانينات ( من القرن العشرين )* إقتلاع الإسلام فى عقد التسعينات حتى تبدأ الألفية الثالثة و قد تم تنصير العالم ، وإن كانت هذه التوصية بدأت بعبارة مضغمة هى "توصيل الإنجيل لكل البشر".. * إعادة تنصير العالم* توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما * فرض المساهمة فى عملية التبشير على كافة المسيحيين الكنسيين منهم و المدنيين ، وهى أول سابقة من نوعها وتوصم أمانة الأقليات المسيحية فى كل مكان .* إستخدام الكنائس المحلية فى عمليات التبشير ، الأمر الذى يضع الأقليات المسيحية فى البلدان التى يعيشون فيها فى موقف عدم الأمانة أو الخيانة الوطنية لصالح التعصب الكنسى * فرض بدعة الحوار ، كوسيلة لكسب الوقت حتى تتم عملية التنصير بلا مقاومة تذكر* إنشاء لجنة الحوار* إنشاء لجنة خاصة بتنصير العالم ولن أطلب من سيادتكم تقييم قرارات هذا المجمع من حيث العقل والمنطق ، أو من حيث الشرور واللاإنسانية التى تمخض عنها ، فهى ليست بحاجة إلى تقييم ، إنها تجأر بنفسها ، لكننى سأضيف ان البابا يوحنا بولس الثانى كان قد وعد بتبديل و تغيير سبعين آية من آيات الأناجيل لتتمشى مع مسلسل التنازلات التى تقدمونها للصهاينة . وللحق لا أعرف إن كان قد تمكن من إتمام ذلك قبل وفاته أم سيقع عليكم الوفاء بهذا الوعد . ومن بين كل القرارات السابقة لن أعلق إلا على نقطة بدعة الحوار بين الأديان ، لأستشهد ببعض النماذج الكاشفة من الوثائق الفاتيكانية :* أخطر ما يمكن أن يوقف الحوار : أن يكتشف من نحاوره نيتنا فى تنصيره.* من أهم عقبات الحوار ما قمنا به فى الماضى ضد الإسلام والمسلمين ، وهذه المرارات عادت للصحوة حاليا ، فقد أضيفت الآن قضية إسرائيل و موقف الغرب منها ، و نحن كمسيحيين نعرف ما هى مسؤليتنا حيال هذه القضبة..* ضرورة القيام بفصل المسيحية فى حد ذاتها عن العالم الغربى ومواقفه المعادية والإستعمارية فالمسلم لم ينس ذلك بعد .* ان الحوار الصحيح يرمى إلى تجديد كل فرد بالإرتداد الباطنى والتوبة ، إعتمادا على الصبر والتأنى والتقدم خطوة خطوة وفقا لما تقتضيه أحوال الناس فى عصرنا . * يتعيّن على المسيحيين أن يساعدوا مؤمنى العقائد الأخرى على التطهر من تراثهم الديني لتقبل عملية الإرتداد .* إن أعضاء الديانات الأخرى مأمورون بالدخول فى الكنيسة من أجل الخلاص* الحوار يعنى فرض الإرتداد والدخول فى سر المسيح ..* إن الكرسى الرسولى يسعى إلى التدخل لدى حكام الشعوب و المسؤلين عن مختلف المحافل الدولية ، أو الإنضمام إليهم بإجراء الحوار أو حضهم على الحوار لمصلحة المصالحة وسط صراعات عديدة .. واكتفى بهذا القدر القليل من غثاء جد كثير لأسأل سيادتكم : هل مثل هذا التعامل غير الأمين واللاإنسانى هو ما تعتبرونه مقبولا من العقل والمنطق ؟! وهنا تجدر الإشارة إلى خطابكم الرسولى الأول " الله محبة " ، ولا يسع المجال لتناوله بالتفصيل ، فقد أفردت له مقالا آنذاك بعنوان " تنازلات على نغمة المحبة " ! ومن أهم ما يجب الإشارة إليه إعتباركم ان اليهود و المسيحيين وحدهم هم الذين يعبدون الله الحقيقى ، ثم قيامكم بالربط بين الإسلام و الإنتقام و الكراهية و العنف باسم الله ، وان الكنيسة الكاثوليكية وحدها هى التى عليها ان تسود العالم ، وكمٌ من التنازلات الممجوجة التى قدمتمونها للصهاينة . وهو ما يؤكد أن استشهادكم فى المحاضرة لم يكن من قبيل المصادفة وإنما تقصدونه لأنه يمثل رأيكم الدائم. ولا يسعنى عند نهاية خطابى المفتوح هذا إلا أن أسألكم : يصر الفاتيكان على ان رسالته هى تنصير العالم ، وهو يبذل قصارى جهده وبكافة الوسائل الصريحة والملتوية لتحقيق ذلك ، بل لا يكف عن حث الكنائس الأخرى و توحيدها لاستخدامها فى عملية التبشير و التنصير ، و لقد تم فرض هذا الموقف على الأتباع و على الكنائس المحلية فى كل مكان بزعم انها الوسيلة الوحيدة للتصدى للمد الإسلامى ، كما تم استصدار القوانين الأمريكية الترويعية لتنفيذ ذلك .. غير آخذين فى الإعتبار ان ذلك تحديدا هو ما يشعل الفتن و يولد العنف دفاعا عن الذات و عن الدين وعن الهوية، فما عساكم فاعلين بتلك الدويلة الدينية العنصرية التى ساعد الفاتيكان على تثبيتها ظلما وعدوانا وانتزاع الأرض من أصحابها لقوم لا حق لهم فيها وفقا للنصوص ؟ بل ما عساه فاعلا بهذه الدويلة العنصرية التى يعد إنشاؤها خروجا سافرا على دينه وتعاليمه ـ وهناك من الأبحاث اللاهوتية ما تؤكد انه لا حق لهم شرعا فى هذه الأرض ، وذلك من قبيل رسالة الأب لاندوزى ؟ ولا نسخر حين نتساءل بكل مرارة و ألم : ترى ، هل سيقوم سيادة البابا بتنصير اليهود ، أم إن الفاتيكان هو الذى سيتهوّد ؟! أليست دعوتكم الظالمة هى تنصير العالم ؟! إن من يحمل على كاهله مثل هذا التاريخ المدرج بالدماء ، ومثل هذا التراث القائم على التزوير والتحريف ، ويقوم بمثل هذه السقطة الإستفزازية وسب الإسلام والمسلمين عن عمد ، فلا يجب عليه الإعتذار الواضح فحسب وإنما يجب عليه التنحى عن مثل هذا المنصب . وهو أقل ما يجب عليه أن يفعله إن كانت هناك ثمة أمانة علمية أو دينية . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

خلفية قضية الحجاب


خلفيات قضية الحجاب..

بقــــــــــــــــــــــلم الدكتورة زينب عبدالعزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية
إندلعت قضية الحجاب فجأة ، مرة أخرى ، بسبب ما أعلنه السيد فاروق حسنى ، وزير الثقافة ، وشغل الموضوع الرأى العام ووسائل الإعلام المصرية والعربية فى دوامة عارمة.. ومن متابعة ما تم نشره سواء فى الجرائد والمجلات أو فى مختلف المحطات التليفزيونية فإن كل ما تمركز حوله النقاش وردود الأفعال كان متعلقا بشرعية الحجاب او عدم شرعيته ، والإنزلاق احيانا ولو من باب السخرية لجعله ركناً سادساً من أركان الدين !. إضافة إلى المساس بشيوخ الأزهر والأزهريين وتقييمهم " بتلاتة مليم " .. وبرفض السيد الوزير الإعتذار عما بدر منه ، توقف الوضع على طلب إستقالته أو إستقالة الإمام الأكبر شيخ الزهر والمفتى حفاظا على كرامتهما ! وقبل أن نبدأ مناقشة قضية الحجاب وخلفياتها ، لا بد من تحديد أن هناك فرقا بين الركن فى الدين و الفريضة ، حتى وأن كان طفيفاً رهيفاً. فالأركان الخمسة هى الأساس فى المرتبة الأولى ولا نقاش فيها ولا اختيارأو تفضيل ، وعلى المسلم الإلتزام بها بكافة مكوناتها وتفاصيلها. أما الفرائض التى تخرج عن مضمون الأركان فالقرآن الكريم يعطى للمسلم حرية الإختيار والإلتزام ، بعد أن أوضح أن الحلال بيّن والحرام بيّن ، و بعد أن أكّد من شاء فاليؤمن ومن شاء فليكفر. وما على المؤمن إلا أن يختارالإلتزام أو عدمه والحساب يوم الحساب – ذلك اليوم الذى لا يكون فيه مع الإنسان إلا عمله و اختياره ..وقد سبق أن اشرت أيام اثيرت قضية منع الحجاب فى فرنسا ، وذلك فى خطاب مفتوح للرئيس الفرنسى جاك شيراك ، وفى برامج تلفزيونية آنذاك ، أن الحجاب فرض من الفروض الأخلاقية التى تذخر بها سورة النور، وذلك محدد بها من أول آية إذ تقول : " سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بيّنات لعلّكم تذّكرون". ومن الفروض الواردة بهذه السورة الكريمة تحريم الزنا ، وتحريم سب المحصنات المؤمنات ، والإستئذان ، سواء فى دخول البيوت او للأطفال عند دخول غرفة نوم ابويهما ، كما فرض تعديل وضع حجاب المرأة ، إذ تقول الآية 31 " وليضربن بخمورهن على جيوبهن " أى ان الحجاب موجود مسبقا ووجوده مفروغ منه ، وما على المسلمة إلا أن تهتم بتغطية ما تحت الرقبة وفتحة الصدر وألا تتبهرج للفت الأنظار... والخروج عن الفرض الأخلاقى والإجتماعى لايعنى ان المرء قد سقط عنه إنتمائه للدين وإنما يعنى أنه أخلّ بأحد فروضه على مسؤليته هو أمام الله.. فعلى الرغم من تحريمه فى جميع الشرائع الزنا لا يزال يُرتكب ، والسرقة لا تزال تُرتكب ، والخمر يُشرب ، وعدم الإلتزام بالحجاب وارد ، و كل ذلك بأيدى يهود ومسيحيين ومسلمين ...وهنا لا بد من توضيح وتحديد أن الإسلام ليس هو الذى فرض حجاب المرأة وإنما قد أكّد على وجوده وتعديل وضعه ، ولم ينص حتى على موديل أو نموذج معيّن له ! فبدلا من أن ينسدل إلى الوراء ويترك الصدر عاريا حدد الإسلام ان تحتشم المرأة بتغطية فتحة الصدر. أما عن الحجاب أصلا ، فهو موجود اساساً فى الرسالتين التوحيديتين السابقتين. فنطالعه فى العهد القديم فى سفر اشعياء ، وفى قصة رفقة ، وقصة تمارا ، وبهما إشارة واضحة إلى الحجاب. كما ان أى يهودى ملتزم بدينه فى يومنا هذا من حقه تطليق زوجته إن خرجت عارية الرأس. وفى المسيحية يقول بولس فى رسالته الأولى الى أهل كورنثوس " إذ المرأة كانت لا تتغطى فليقص شعرها" وفى طبعات أخرى "فليُجزّ شعرها" وهى عبارة بها ما يكفى من الإهانة إذ انها لا تستخدم إلا للغنم وجزالخراف.. وحتى مطلع القرن العشرين كان خروج المرأة عارية الرأس فى فرنسا وفى أوروبا يعد سُبّة وخروجا على التقاليد والأعراف.وعودة الى ما أثاره السيد الوزير، فبخلاف ما قيل من انه رأى شخصى او رسمى ، تم نشره بمعرفته أم نُشر فى غفلة من أمره ، أو حتى من ان وزارة الثقافة ستكون بمثابة السد الحصين ضد أى تطرف ، بعد ان ادرج البعض الحجاب من ضمن التطرف ، فبخلاف هذه التفاصيل الفرعية – إن أمكن إعتبارها كذلك جدلا ، فإن هناك عبارتان اساسيتان تكررت كل منهما ثلاث مرات بوضوح تام و لم يقربهما النقاش ، وتتعلق العبارة الأولى بالإخوان.فلقد قيل انه قد تم استغلال هذا الموضوع سياسيا – والمقصود بالعبارة الإخوان المسلمين إذ أن التعليق الذى تلاها مباشرة والذى تكرر عدة مرات أيضا هو : "اُمال لمّا يمسكوا الحكم راح يعملوا فينا إيه ؟ " وكأن الإخوان المسلمين أعداء لابد من محاصرتهم والتخويف منهم ومن عددهم فى البرلمان الذى وصل الى 88 عضوا ، وفقا لما تكرر قوله أيضا ، وذلك رغم كل ما تم فرضه عليهم من محاصرة لا إنسانية تناقلتها جميع وسائل الإعلام أيام الإنتخابات .. وهذه قضية لا تدخل فى نطاق هذا المقال و لا أتناولها إلا من باب المنطق ، فلست عضوة فى أى حزب من الأحزاب ، إلا انه لا بد من الإشارة إلى ضرورة مناقشة هذا الوضع صراحة وتصويبه قانونا فى الدولة ، بدلا من الإستمرار فى استخدام عبارة مهينة وغير أمينة من قبيل "جماعة الإخوان المحظورة " ! فما من دولة مسيحية فى العالم تقريبا إلا ويوجد بها حزب سياسى مسيحى رسمى ، وذلك على الرغم من كل ما تكشّف فى المسيحية من مآخذ التحريف والتبديل فى النصوص ، وكلها باتت معلومات يقينية مفروغ منها منشورة فى القواميس والمراجع. بل إن آخر ما توصلوا اليه فى مطلع التسعينات من القرن الماضى أن 82 % من الأقوال المنسوبة للسيد المسيح لم يتفوه بها . فما معنى أن تكون جماعة إسلامية فى بلد مسلم ونصوصه الدينية هى النصوص الوحيدة التى لم ينلها التحريف والتزوير ، ولا يحق لهذه الجماعة المشاركة رسميا فى شئون الدولة مثلها مثل أى حزب آخر ؟! مجرد سؤال على المختصين تناوله بالتصويب.أما العبارة الثانية والأشد خطورة ، أو التى تمثل خطورة حقيقية فى هذه الزوبعة المختلقة، وأقول مختلقة بمعنى أنه من الواضح أنها أُثيرت لتمرير هاتين الملاحظتين كبلونة إختبار ، مع تفاوت خطورتهما . وقد رأينا الأولى منهما ، أما العبارة الثانية فهى مطالبة السيد الوزير، أو تبرير رأيه الذى لا يروقه الحجاب ، فكانت بكل أسف تقول : " لكى لا يتسبب الحجاب فى خلق فتنة طائفية وتقسيم البلد الى محجبات ، اى مسلمات ، و غير محجبات ، اى مسيحيات" وتكرار ان مثل هذه الفتنة قادمة لا محالة .. إن مجرد النطق بهذ العبارة ولا أقول تكرارها بوضوح وشرح مطوّل ، يكشف عن أنها، فى واقع الأمر، هى السبب الحقيقى المقصود من وراء هذه الحملة .. وإذا ما وضعناها فى الإطار العام العالمى و الإطارالمحلى لأدركنا فداحة الموقف .فلم يعد الأمر خافيا على أحد ، فيما يتعلق بالحملة الشرسة التى يتعرض لها الإسلام ، على الصعيد العالمى ، منذ مسرحية الحادى عشر من سبتمبر وحتى يومنا هذا .. بل لم يعد خافيا على أحد تزايد سرعة الإيقاع فى الغرب لاختلاق قضايا تهين الإسلام والمسلمين ، فى مختلف البلدان ، الى جانب سرعة الإيقاع فى التحليق على وجود المسلمين حتى بسنّ القوانين اللازمة للتضييق عليهم ، بما فى ذلك طردهم من العمل مثلما حصل فى فرنسا وطرد 70 موظفا مسلما من المطار" خوفا من ان يتواطئوا مع احد افراد القاعدة" !! ولم يدافع عنهم وعن غيرهم احد .. وتأتى هذه الحملة فى الغرب تنفيذا لقرارات مجمع الفاتيكان الثانى 1965 ، الذى كان قد قرر تبرأة اليهود من دم المسيح – وبناء عليها تم الإعتراف بالكيان الصهيونى المحتل لأرض فلسطين . كما نص على اقتلاع اليسار فى عقد الثمانينات ، واقتلاع الإسلام فى عقد التسعينات – حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم . كما قرر إسناد مهمة التبشير والتنصير إلى كافة المسيحيين والكنائس المحلية ، وكلها وثائق موجودة وصادرة عن الفاتيكان نفسه. وعندما أتت الألفية الثالثة ولم يتم تنصير العالم ، قام مجلس الكنائس العالمى فى يناير 2001 باسناد هذه المهمة الى الولايات الأمريكية المتحدة ، بحكم انها السلطة العسكرية المتفردة فى العالم ، مع تحديد هذا العقد لاقتلاع الشر، الذى هو الإسلام فى نظرهم ! ولعل اقتراب عام 2010 هو السبب فى ازدياد سرعة الإيقاع.. فاختلقت الإدارة الأمريكية ما اصبح يُطلق عليه مسرحية الحادى عشر من سبتمبر للتلفع بشرعية دولية لمحاربة الإسلام والمسلمين ، وذلك إعتمادا على أدلة وبراهين مزوّرة ولا أساس لها من الصحة..أما فى النطاق المحلى ، فلم يعد خافيا على أحد تزايد النفوذ المسيحى فى الدولة إلى درجة دفعت بعض المسؤلين إلى قول "ان الكنيسة أصبحت تمثل دولة داخل الدولة". وقد أوضحت فى مقال سابق كيف كان الأزهر، بكل أسف ،" هو أول من فرّط فى حق الإسلام وفى حق نبيه عليه الصلاة والسلام، وذلك بقبوله إلغاء مادة الدين من التعليم كمادة أساسية للنجاح والسقوط ، وقبوله " تعديل" المناهج الدينية وتغيير الآيات فى المناهج الدراسية بدلا من شرح وتفسير أسباب نزولها ، وإسناد المعاهد الأزهرية إلى التربية والتعليم أو تحويلها إلى مرافق أخرى، و"تعديل " الخطاب الدينى ، وإغلاق المساجد بين الصلوات ، وتضييق نطاق بناء المساجد ، وتحويل ما لم تُقم فيه الشعائر بعد إلى مرافق أخرى، بل وهدم ما تم بنائه قبل إستخراج تصاريح البناء، وهنا لا يسعنى إلا أن أسأل: هل يمكن لنفس هؤلاء المسؤلين والوزراء القيام بنفس التصرف حيال الكنائس التى تزايد عددها بصورة واضحة؟! فما اكثر ما تم بناؤه بلا تراخيص ، بل ما أكثر الأراضى التى أُخذت بوضع اليد ولم يتحرك أحد ، ولا نذكر هنا إلا موقع باتموس للتبشير على طريق الإسماعيلية .. وما اكثر الكنائس التى تضخّم حجمها فى مكانها الى درجة الإنبعاج الفظ معماريا وكأنها على وشك الإنفجار!.. " بل لقد خرج العاملين بالأزهر عن تعاليم دينهم ووصايا الرسول عليه الصلاة والسلام بالتهاون فى مسألة الحجاب فى فرنسا ، وبتسليم وفاء قسطنطين بدلا من حمايتها، كما غضوا الطرف عن الدفاع عن الإسلام وعن نبيه الكريم فى مهزلة مسرحية كنيسة الإسكندرية ، بإحالتها إلى عالم الصمت والنسيان ببضعة عبارات مرتعدة جوفاء، والصمت حينما أهانت السلطات القمعية الأمريكية المصحف الشريف فى جوانتنامو وغيرها ، وخاصة ذلك الصمت المخزى حينما تم إعلان عيد ميلاد "ربنا يسوع" عطلة رسمية فى الدولة المسلمة ، وكان من الأكرم لهم أن يوضحوا ما بهذا الإجراء من مساس بعقيدة المسلمين الذين يمثلون الأغلبية الساحقة فى مصر وفى البلدان الإسلامية! وكيف أن مثل هذا الإجراء يخرج عن حدود التسامح ليسهم او ليمهد لعمليات التبشير الدائرة ويدعمها ! ".. والأدهى من هذا وذاك ، وغيره جد كثير بكل أسف، هو التوقيع على إتفاقية بين الأزهر والفاتيكان والكنيسة الأنجليكانية بالموافقة على أن يقوم المبشرون بالتبشير فى مصر دون أن يتعرض لهم أى شخص !؟ وكان ذلك فى 18 ابريل 2005 ".. ويعد ما تقدم جزء بسيط مما كتبته فى حينها عن تنازلات الأزهر وعن تدخلات الكنيسة ، وذلك هو ما أشير إليه ثانية هنا ، لا لاشعال نار الفتنة كما قد يتبادر إلى البعض ، وإنما لرأبها . فمن غير المعقول أن ينساق المسؤلون لدينا ، على كافة مستوياتهم ، ويساهمون فى تنفيذ مخططات الغرب لاقتلاع الإسلام والهويّة الإسلامية بكل تعسف ، و عدم ادراك عمق الهاوية التى يسوقون المجتمع اليها.. فمع احترامى الشديد لإخواننا المسيحيين فى مصر والعالم ، إلا ان الدور الذى يقومون به مراضاة للغرب ، سواء سياسيا أو دينيا ، والعمل على تنصير المسلمين وتنصير الهوية الإسلامية للدولة ، بذلك الكم من الكنائس ، الذى لا يتمشّى إطلاقا مع العدد الفعلى للمسيحيين فى مصر خاصة ، إعتمادا على قوانين تم سنها اسما لحماية الأقليات ، ولا يلوّح بها إلا لحماية المسيحيين فى مصر- وإلا لتم استخدامها لحماية المسلمين فى الغرب والحفاظ على هويتهم بدلا من الإصرار على اقتلاعها .. إن هذا الدور فى نهاية المطاف سوف ينقلب عليهم وسوف يُقتلعون من عقائدهم إذ ان الذى قرره الفاتيكان من ضمن ما قرر هو : توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما .. وقد بدأت التنازلات فعلا وإن كانت على استحياء .. فما على المسيحيين هنا إلا أن يقرأوا النصوص الفاتيكانية ليفهموا ما يحاك لهم..وما أود التأكيد عليه هو أننا جميعا مواطنون مصريون وإن اختلفت الديانة ، وما يجب التأكيد عليه هو ان مصر دولة إسلامية ، والإسلام دين الدولة الذى يسنّ منه التشريع . والمساس بهذه الحقيقة سوف يؤدى إلى كارثة يعلم الله مداها .. ولا أشير إلى هذه الجزئية إلا لعلمى يقينا أنها من المطالب الحثيثة التى يسعى إليها متعصبو الأقباط فى مصر. والإنسياق فى المساهمة لتنفيذ مآرب الغرب على حساب الإسلام لن يعجّل إلا بكارثة سوف تجتاح الجميع.. لذلك اكرر أنه من غير المعقول أن يطالب السيد وزير الثقافة أو حتى أن يعبّر عن مثل هذا الرأى ، فى هذه الفترة تحديدا ، وان يبادر ويجاذف بإهانة قرابة سبعين مليون مسلما ومسلمة، لعدم جرح مشاعر مليونان أو ثلاثة من المسيحيين .. وإن كانوا هم قد خرجوا عن تعاليم دينهم ، ونصوص الكتاب المقدس صريحة لا مواربة فيها ، فذلك لا يبرر على الإطلاق أن يخرج المسلمون عن تعاليم دينهم وأن تخلع المرأة المسلمة حجابها ، لمجرد مرضاة حفنة من المتعصبين او من الذين يفرّطون فى دينهم بمثل هذه السهولة

قصة محاصرة شفرة دافنشي

قـصـــــة محــاصــرة شــفــرة دافنشــــى..

بقلم: دكتورة زينب عبد العزيزاستاذة الحضارة الفرنسية بعد عام تقريبا من بداية الحملة المُحكمة الأركان والحصار ، التى اطلقت عنانها مؤسسة الفاتيكان ، لملاحقة رواية شفرة دافنشى والفيلم المأخوذ عنها ، وذلك باسناد البابا بنديكتوس السادس عشر مهمة هذا الحصار الضارى إلى منظمة " أوبس داى " أى "عمل الرب " ، نشرت صحيفة "لا كروا " الفرنسية المسيحية بتاريخ 27 / 12 / 2006 مقالا بعنوان: "أوبس داى تجنى ثمار حملتها الإعلامية " .. أى أنها تجنى ثمار تلك الحملة المكثّفة الشديدة الدهاء ، والتى تم بها ترسيخ التحكم فى التغطية الإعلامية الشاملة التى طالت الإذاعة والصحافة والتليفزيون فى أروبا ، للتقليل من وقع الحقائق التاريخية التى أوردها دان براون فى روايته المعروفة باسم "شفرة دافنشى " والحد من تأثيرها الشديد على الأتباع ..وقد أعلنت منظمة عمل الرب هذه أن " استراتيجية الحملة اعتمدت على الشفافية والتصرف على المكشوف " ! و يقال ان هذه المنظمة لم تحط علما بصناعة الفيلم المبنى على رواية دان براون إلا من العدد الذى خصّته مجلة "نيوز ويك " الأمريكية الصادرة فى 26 / 12 / 2005 عن الفيلم المأخوذ عن رواية شفرة دافنشى ، وانه ستتم الإشارة فى ذلك الفيلم إلى تلك المنظمة . و يوضح أرنو جينسى ، المسؤل الإعلامى لمنظمة أوبس داى فى فرنسا قائلا : " أنه حتى ذلك الوقت لم يكن أحد يعرف شيئا حول هذا الفيلم والذى تقوم فكرته على مؤامرة تحيكها الكنيسة الكاثوليكية اعتمادا على بعض القتلة التابعين لمنظمة أوبس داى " ! ومن المعروف أن الرواية عند بداية ظهورها كانت قد أفلتت من سياج وبراثن لجنة متابعة الإصدارات، وهو مسمى احدى اللجان التابعة لمحاكم التفتيش او ما يطلقون عليها حاليا لجنة الدفاع عن العقيدة . وقد أفلتت الرواية فى بداية إصدارها بفضل اسمها الذى ينسبها تلقائيا إلى مجال تاريخ الفن وليس إلى المجال الكنسى . وما أن انتشر توزيعها حتى بدأ الحصار غير المعلن ، لكن ما ان ذاع خبر صناعة الفيلم حتى تغيّر الموقف.. لقد اهتز الكيان الكنسى إلى درجة جعلته يقوم بواحدة من أعتى الحملات التى قادها علنا فى العصر الحديث ، دفاعا عن كل ما نسجه من عقائد ومعلومات عبر المجامع على مر التاريخ . ففى العاشر من شهر يناير 2006 اجتمع جميع المسؤلين عن الإعلام والتابعين لمنظمة أوبس داى فى كل من مدينة روما ونيو يورك وباريس وكولونيا ولاجوس ومونتريال ، فى مقر المنظمة قى روما ، فى إجتماع طارىء من تلك الإجتماعات التى يطلقون عليها "إجتماع الأزمات " .. وذلك بحضور خواكيم نافارو- فالس عضو المنظمة والذى كان سابقا المتحدث الرسمى باسم البابا الراحل يوحنا بولس الثانى ، ثم المتحدث الرسمى باسم البابا الحالى قبل أن يقيله من منصبه. وتوضح كلير ليسجريتان ، كاتبة المقال ، أن هذا الإجتماع الخاص بالأزمات االحادة قد أسفر عن تبنى خطة تسمى " تكتيك الليمونادة " ، أى كيفية تحويل حمضية الليمون اللاذعة إلى شراب حلو المذاق ! أو بقول آخر : كيفية تحويل عملية الهجوم على المؤسسة الكنسية إلى حملة لصالحها . وبالتالى تم اتخاذ كافة التدابير للقيام بحملة إعلامية عالمية إذ ان عرض الفيلم من المفترض أن يكون على الصعيد العالمي وتأثيره على جمهور المشاهدين اوسع بكثير من الناحية العددية واكثر مباشرة ، فالمجال السينمائى من المجالات التى تتميز بامكانية تخطى الزمان والمكان بواقعية اشد تأثيرا واسرع من القراءة . والمعروف أن الرواية تثير الريبة حول تلك المنظمة وسرية تعاملاتها المغلقة ، وتشكك فى أفعالها ونواياها ، إضافة إلى العديد من النقاط الأخرى مثل عمليات التحريف التى طالت النصوص المقدسة عبر التاريخ ، و عصر الظلومات المواكب لمحاكم التفتيش التى لا تزال سارية المفعول ، وإن تغيرت مسمياتها ، ورفض عملية تأليه السيد المسيح التى تمت سنة 325 م ، والإشارة إلى زواجه من مريم المجدلية إعتمادا على ما هو وارد فى بعض الأناجيل المحتجبة ، أى تلك التى لا تتمشى مع ما نسجته المؤسسة الكنسية من خط لاهوتى وعقائد لا يعرف السيد المسيح عنها أى شىء ، إضافة إلى الكثير غيرها . وكلها قضايا قد هريت بحثا وصارت من الموضوعات المسلّم بها بين العلماء والباحثين المحايدين فى علم اللاهوت فى جميع أنحاء العالم.. إلا أن التعتيم عليها و ترك الأتباع فيما وصفه روبرت فانك ، رئيس ندوة عيسى ، انه جهل يصل إلى درجة الأمية ، هو الذى يكسبها استمرار بقائها .. وندوة عيسى هى تلك الندوة التى خرج بعدها اكثر من مائتين من العلماء المسيحيين العاملين فى المجال اللاهوتى ، بأن 82 % من الأقوال المنسوبة إلى السيد المسيح فى الأناجيل لم يتفوه بها ! الأمر الذى يكشف مدى عمق الصراع الدائر فى المؤسسة الكنسية للحفاظ على كيانها. كما يكشف عن أهمية كل تلك الجهود التى تبذلها لمواجهة أية محاولات تؤدى إلى فضح المغالطات التى قامت عليها.لذلك قرر المجتمعون لتناول تلك الأزمة الطارئة أن تكون الحملة مفتوحة الشفافية ، علنية ، مهذبة الطابع ، أى دون اللجوء إلى أعمال عدائية صريحة او تقديم اية أعمال مباشرة النقد ، أو حتى مطالبة الأتباع بمقاطعة الفيلم . أى انهم تفادوا عمل أية مواجهة موضوعية علمية علنية ، فالخاسر فيها معروف ، وتم تحديد الإعتماد على كافة وسائل الإعلام ، والتركيز فى نفس الوقت على مختلف مواقع الإنترنت المسيحية وما اكثرها!.. وهو ما تولت القيام به شبكة زنيت الإلكترونية الكاثوليكية التابعة للفاتيكان..وتشرح كاتبة المقال انه بدلا من نقل الموضوع الى ساحات المحاكم ، فالخاسر فيها معروف والفضيحة وسرعة وصول المعلومات إلى الجمهور ستكون اسرع وادل سبيلا ، وبدلا من مقاضاة شركة سونى العالمية التى تولت انتاج الفيلم بكل إمكانياتها المالية ، على ان ذلك يدخل تحت بند السب العلنى للمنظمة ، تم اتخاذ القرار الأكثر امناً و حيطة وحفاظا على البنيان الهش ، بتحويل الحملة التى سيثيرها الفيلم ، بكل ما يقدمه من انتقادات وحقائق تهز اركان الكيان الكنسى ، ألى حملة إيجابية لصالح المسيحية الكاثوليكية وإحدى أهم أدواتها التنفيذية لعمليات التبشير المعروفة باسم منظمة " أوبس داى " ! وهو ما أطلق عليه ماركو كارّوجيو ، المسؤل الإعلامى الإطالى للمنظمة عبارة : " تكتيك الليمونادة " ..وبعد ذلك الإجتماع الطارىء بقليل اجتمع المسؤلون الإعلاميون فى كل من فرنسا و بلجيكا وسويسرا لعرض الخطط الإعلامية التى تبنوها. وكان من بينها عمل منشورات ترد على كل النقاط الأساسية التى أثارتها الرواية وسيضطر الفيلم الى عرضها ، خاصة بعد ان قرأ الرواية اكثر من خمسين مليون نسمة ، مما لا يسمح للمخرج بالتغيير فى مجريات الأحداث . إضافة الى استغلال هذه الفرصة للتعريف بالأعمال الخيرية فى المجالات التبشيرية التى يقوم بها أعضاء المنظمة. وفى شهر مارس 2006 تم افتتاح الموقع التابع لمنظمة أوبس داى ، باثنين وعشرين لغة عالمية ، بعد تزويده بالعديد من المعلومات حول الكنيسة الكاثوليكية و المنظمة التابعة لها وحول نشاطاتهما التبشيرية فى جميع أنحاء العالم ، وخاصة فى البلدان الأفريقية ، وذلك من خلال مختلف المنظمات والهيئات الرسمية وغير الرسمية والجمعيات الأهلية التابعة لها و العاملة فى تلك البلدان..وبعد صدور أول مقال كنتيجة لهذه الحملة المدبّرة ، خصصت مجلة التايمز الأمريكية إفتتاحيتها للتعريف بمنظمة أوبس داى ، وتبعتها مجلة فيجارو ماجازين الفرنسية ، فى عددها الصادر فى 22/ 4 / 2006 بحوار مع خافير إيكيفاريا ، رئيس المنظمة ، مفتتحين بذلك مجموعة من الملفات حول هذا الموضوع فى مختلف المجلات ، ومنها مجلة نوفيل اوبسيرفاتير ومجلة اكسبريس الفرنسيتان ، فى العددين الصادرين فى 18 / 5 / 2006 . و تقول كاتبة المقال أن المنظمة قامت بنشر اربعمائة مقالا بوسائلها فى مختلف الجرائد والمجلات العالمية قبل صدور العرض الأول للفيلم باسبوعين . وذلك إضافة إلى الأحاديث الإذاعية والتليفزيونية التى تولاها كبار المسؤلين فى المنظمة بكل وضوح وشفافية وبراءة فى التعمل مع الحدث ..كما قامت المنظمة بترتيب ما يسمى بلقاءات اليوم المفتوح فى التليفزيون ، أى تخصيص يوما بطوله لموضوعات وبرامج حول المنظمة و أعمالها المجيدة ، فى 11 / 5 / 2006 ، فى تلفزيون ستراسبورج وتولوز بفرنسا. وهو ما يؤكد ما طرحه دان براون فى روايته عن توغل تلك المنظمة فى المجتمعات والتى يطلقون عليها فى بلدها الأم ، اسبانيا ، لقب " الأخطبوط " ! فقد أوضح كيفية توغلها من أجل تحقيق أهدافها، وذلك بتواجدها فى أعلى المستويات المالية والحكومية والتعليمية والإعلامية. وهى الركائز الأساسية التى يمكن من خلالها التلاعب بعقليات الجماهير وتوجيهها إلى حيث يبغون .. ويؤكد أرنو جينسى ، المسؤل الإعلامى "الديناميكى " للمنظمة فى باريس أن الحملة قد نجحت تماما فى الحد من مفعول الفيلم وانعكاسه على المنظمة ، وهو ما راح يؤكده أيضا خوان مانويل مورا ، المسؤل الإعلامى العالمى للمنظمة حتى يونيو الماضى ، قبل ان تتم ترقيته مكافأة له ، ليصبح أستاذ الإعلام و الإتصال فى جامعة أوبس داى ببلدة نافار باسبانيا . ثم راح يوضح قائلا :" إذا ما استمرت هذه الجهود ، وواصل الصحفيون إلتزامهم وإدراكهم وتحرروا من المعلومات النمطية المسبقة والتعامل مع أعضاء المنظمة على أنهم أناس بسطاء وطبيعيون ، فقد نشهد عهدا جديدا أكثر احتراما واقل صراعا للتعريف بالكنيسة فى مختلف وسائل الإعلام " ..وحول رأيه فى نتيجة تلك الحملة المدبّرة بإحكام للحد من وقع الفيلم وآثاره على المشاهدين ، وكان الهدف الأهم عندهم هو محاولة إسقاط الفيلم ، يقول أرنو : " نحن الكاثوليك ، يمكننا أن نشكو من الذين ينشرون معلومات نمطية مغلوطة حول الكنيسة ، لكنه من الأفضل والأكثر فعالية أن نواجههم بالمعلومات الصحيحة ، والشفافية ، والإنفتاح ، والترابط المنطقى " ..ويالها من معلومات وشفافية ، وياله من ترابط منطقى ذلك الذى يعتمد على التعتيم ولىّ الحقائق وفرضها بدهاء وإحكام. . ومع عدم نجاح منظمة أوبس داى الإخطبوطية النزعة – كما يصفونها ، فى منع عرض الفيلم أو فى إسقاطه فى كافة البلدان الغربية أو الحد من عرضه ، فقد نجحت فى تلجيم وسائل الإعلام التى استقبلت الفيلم بأفواه مكممة ، ولم يشز عن هذه القاعدة إلا النفر القليل من النقاد ليتناولوه بكليمات معدودة ، على استحياء ، ذرا للرماد فى الأعين ..والملاحظة المؤسفة المحزنة فى آن واحد هى : ان المنظمة بكل جبروتها وبكل سلطانها ، لم تنجح فى منع الفيلم من العرض إلا فى كافة البلدان التى بها أقليات مسيحية. وهو ما يكشف المكانة التى تحتلها منظمة أوبس داى هى و عملاؤها فى تلك البلدان ، من جهة ، ومن جهة أخرى تكشف تضامن تلك الأقليات مع مخططات الغرب الكنسى التبشيرية وولائهم له وليس للبلد الذى يعيشون فيه.. وما نخرج به من ذلك المقال المنشور فى إحدى الصحف الفرنسية المسيحية ، وكشفه عن جزء ولو ضئيل من ذلك المخطط الإعلامى الذى قادته منظمة أوبس داى لإسقاط فيلم شفرة دافنشى ، فإن ذلك وحده يؤكد، بلا أدنى شك ، صحة ما طرحه عنها دان براون فى روايته وكشفه لنفوذها المتغلغل فى مختلف المجالات العليا والأساسية فى المجتمع ، كما تكشف صحة ما أورده عنها من تورطها فى عمايات القتل وغسيل الأموال والتعامل مع المافيا – وكلها وقائع تحدثت عنها الصحافة العالمية فى حينها ، ولا نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر إلا واقعة بنك أمبروزيانو فى إيطاليا وثبوت تورط الفاتيكان فيها وما ضمّته هذه الفضيحة من إغتيالات .. إضافة إلى تلك المراجع التى صدرت حديثا لتكشف حقيقة أبعادها وأهدافها.. ومن المعروف أو المعلن رسميا أن الفاتيكان يعتبر هذه المنظمة أداته الأولى والأساسية فى مساندة وتنفيذ عملية تنصير العالم ، تلك العملية التى تم إتخاذ قرارها فى مجمع الفاتيكان الثانى سنة 1965 . وكان البابا يوحنا بولس الثانى قد أعلن أيام تربعه على قمة الفاتيكان : " أنه قرار لا رجعة فيه " .. وهو نفس الموقف الذى يتبناه البابا الحالى بنديكتوس السادس عشر..وإذا ما كانت منظمة أوبس داى تتغنى بانتصاراتها إعتمادا على القهر والقمع ولى الحقائق – مهما وصفتها بالشفافية والصراحة والردود المنطقية ، فإن ذلك لم يمنع كاتبة المقال فى جريدة لاكروا االفرنسية من أن تختتمه قائلة : " بقى أن نعرف إذا ما كانت صورة منظمة أوبس داى قد تغيرت بعد هذه الحملة حتى بين المسيحيين " .. ومن الواضح أن الصورة لن تتغيّر بل سوف تزداد قبحا بفضل الحقائق التى تتكشف يوما بعد يوم ، وبفضل الأبحاث التى تتواصل بحثا عن الحق والحقيقة ..راجع على رابط " مقالات " مقالى الدكتورة زينب عبد العزيزـ خلفيات قضية الحجابـ خطاب مفتوح إلى البابا بنديكتوس السادس عشر

شفرة دافنشي والمؤسسة الكنسية

شفرة دافنشى والمؤسسة الكنسية


بقلم : د. زينب عبدالعزيز

المتابع لأخبار رواية " شفرة دافنشى " لا بد وان يصاب بالدهشة والفضول من كثرة ما أثارته من ردود أفعال فى الساحة الإعلامية الدولية بعامة، وخاصة فى المجال الإعلامى للمؤسسة الكنسية الفاتيكانية ، التى انتابها رد فعل كاد يصل - وفقا لما يقال فى الصحف والمواقع الإلكترونية - الى درجة الهلع بين رجالها.
وعلى الرغم من أن رواية دان براون قد ظهرت عام 2003 إلا ان ردود الأفعال التى أثارتها ، خاصة فى المجال الكنسى، لم تبدأ إلا بعد ان انتشر توزيعها و تعددت ترجماتها وتناولتها أقلام النقاد بالتعريف والتعليق على أهم ما جاء بها كقضية قادرة على أن تهز أركان الكيان الكنسى إن لم تكن قادرة على أن تأتى عليه برمته - على حد قول العديد من النقاد.. أى أن الرواية ، فى بداية مشوارها ، قد أفلتت من لجنة محاكم التفتيش ، المعروفة حاليا باسم : لجنة عقيدة الإيمان ، الخاصة بمراجعة ومتابعة كافة الإصدارات لكى تتصدى لمن يحاول المساس بما فرضته المؤسسة الكنسية عبر المجامع على مر العصور .. ويرجع سبب إفلات الرواية إلى العنوان الذى لم يكن يدل على أن محتواه قادر على هدم أوصال ذلك الكيان العتيد..
وقد تمت ترجمة الرواية إلى 44 لغة ، وبيعت منها ست و أربعين مليون نسخة ، بحيث أصبحت تمثل اكثر الروايات بيعا فى العالم ، أو لعله رقم لم تحققه أية رواية أخرى .
واذا ما تأملنا كمّ ما أثارته من ردود أفعال لرأينا انه قد صدر بشأنها بالفرنسية فقط ودونا عن اللغات الأخرى أكثر من عشرة كتب ، ثلاثة منها على الأقل بأقلام كنسيين ، ومنهم القس كلود هود الذى أصدر كتابا بعنوان : "أكاذيب شفرة دافنشى" ، والباقى لأشخاص تابعين للكنيسة أو كتبوها بإيعاز منها .. وتعدت المداخلات الإلكترونية المليونين مداخلة وموقع على شبكة الياهو الفرنسية ، إضافة الى المواقع الثابتة التى أضافتها المواقع الكنسية فى أبوابها الثابتة .. وقامت مؤسسة " اوبس داى" وتعنى : "عمل الرب "، وهى من كبرى المؤسسات الكنسية السياسية تدخلا وسيطرة بالطلب من شركة سونى كولومبيا ، المنتجة للفيلم المأخوذ عن الرواية، أن تضع على إعلانات الفيلم لافته تقول أنه لا علاقة لهذه الأحداث بالحقيقة ، إلا أن الشركة لم تعر تلك المؤسسة اى إلتفات .. كما قامت المجلة التبشيرية الفرنسية المعروفة باسم : "إيل إيه فيفان" أى : "أنه حىّ " التابعة لمنظمة عمانويل ، بطباعة 350000 نسخة من كتيب مكون من ستة عشر صفحة توزعه مجانا لمن يطلبه ليساعد فى الحملة التى تقودها المؤسسة الكنسية للتصدى للفيلم قبل ظهوره ، وذلك للحد من تأثيره على الأتباع ، وهو فى نفس الوقت كتيب تبشيرى يقوم بتسهيل المهمة على من يقبل القيام بها !..
كما تطالب المؤسسة الكنسية الفاتيكانية وكافة منظماتها الأتباع بأن يندمجوا فى حملة التبشير الواسعة التي تقودها للتعريف " بحقيقة " المسيحية وما تقوم به من نشاطات تبشيرية ومساعدات رامية إلى التبشير خاصة فى إفريقيا وغيرها من البلدان..
وكانت آخر المحاولات المستميتة من الجانب الكنسى للتصدى لهذا الفيلم قبل ظهوره ، ما أعلنه موقع "inXL6" المسيحى عما قام به بعض دارسى اللاهوت فى مدينة كان الفرنسية والتى سيقام بها المهرجان السينمائى الدولى ، من عمل اسطوانة" دى فى دى " ، عبارة عن فيلم يردّون فيه على الفيلم المأخوذ عن الرواية ويدافعون فيه عن العقيدة الكاتوليكية بالرد على كافة الأسئلة التى قد تتبادر إلى ذهن أى شخص ، وذلك بالتعاون مع كبار أساتذة اللاهوت لتفنيد ما يقال حول العلاقة بين السيد المسيح ومريم المجدلية ، وحول حقيقة الأناجيل التى استبعدتها الكنيسة ، وحول مسألة تأليه السيد المسيح التى تمت فعلا فى مجمع نيقية عام 325 م، وحول حقيقة دور منظمة "عمل الرب" الشهيرة بتدخلاتها السياسية . وقد قام مركز الدراسات اللاهوتية بمدينة كان بانتاج هذا الفيلم وتوزيعة بالتعاون مع مواقع اخرى ..
وباختصار شديد يمكن القول إجمالا أنه ما من جريدة أو مجلة فى العالم سواء أكانت عامة أم متخصصة إلا وتدخلت بصورة ما فيما يطلقون عليه بحق " معركة شفرة دافنشى " ، وذلك بكتابة مجرد مقال إخبارى ،أو عدة مقالات ، أو بتخصيص ملزمة أو عددٍ بأسره لتناول هذه الرواية بالتأييد او بالنقد.
وفى نبأ صادر عن وكالة الأنباء الفرنسية يوم 12 أبريل 2005 ، بقلم بارى جيمس ، والموضوع أساسا كان عن منظمة "عمل الرب" ، ينتهى بعبارة : "أن الفاتيكان قد اسند حديثا الى كبير الأساقفة ترشيازو برتونى مهمة محاربة الهرطقات الواردة فى رواية شفرة دافنشى ، اكثر الروايات تحقيقا لأرقام قياسية ، والتى يقول فيها أن أحد اساقفة منظمة "عمل الرب" قد أمر أحد الرهبان من نفس المنظمة بالقيام بعملية اغتيالات" ..
وفى 15 أبريل 2005 ، نشرت مجلة " نوفل أوبسرفاتير" الفرنسية قائلة : " بينما الكرادلة يعدّون لاجتماع المجمع فى اكبر سرية ممكنة ، توجد منظمة كاتوليكية تلعب دورا ضخما فى إنتخاب البابا الجديد : انها منظمة "اوبس داى" (عمل الرب) الشديدة التأثير والشديدة التعصب ، التى صورها دان براون ، الكاتب الأمريكى ، فى أحسن الروايات تحقيقا للمبيعات : شفرة دافنشى". وبعد أن أوضح دانييل وولز كاتب المقال أن اثنين من الكرادلة المجتمعين لاختيار البابا الجديد ينتميان إلى هذه المنظمة التي وضعت هدفا يرمى إلى إسناد دور أكثر فعالية للعلمانيين فى عمليات التبشير(...) وفى تعيين احد أعضائها ، خواكيم نفارو-فالس ،فى المنصب الشديد الحساسية كمتحدث رسمى باسم الفاتيكان" !!
وفى الثامن والعشرين من أبريل 2006 قام الرجل الثانى فى الفاتيكان ، الأسقف أنجيلو آماتو بعقد مؤتمر صحفى طالب فيه الأتباع بمقاطعة الفيلم وعدم الذهاب لمشاهدته لأنه : "شديد المعاداة للمسيحية وملىء بالفريات والإهانات والأخطاء التاريخية واللاهوتية ضد يسوع وضد الأناجيل وضد الكنيسة".. ثم أنهى مؤتمره الصحفى مطالبا الأتباع بمقاطعة الفيلم مثلما سبق وقاطعوا فيلم مارتن سكورسيز عام 1988 المعنون : " آخر إغراء ليسوع " الذى تعرض بصورة اخرى لنفس علاقة السيد المسيح بمريم المجدلية.
وفى 8/5/2006 أعلن الكاردينال آرنزى ، وكان من المرشحين لمنصب البابوية بعد وفاة يوحنا بولس الثانى ، قائلا : " ان المسيحيين لا يجب ان يقفوا مكتوفى الأيدى مكتفين بالتسامح والنسيان ، ولا بد من القيام بشىء إيجابى كاللجوء إلى القضاء ، وهى وسيلة يمكن الرجوع إليها لكى يحترم الآخرين حقوقنا " .. والمقصود بالآخرين هنا هو كل من لا يتعاطف مع تلك المؤسسة سواء أكان من الأتباع أم من غيرهم !
وفى استطلاع للرأى نقلته مجلة "نوفل اوبسرفاتير" الفرنسية عن مجلة " العلم والحياة " خبر يؤكد ان 31 % من الفرنسيين مقتنعون تماما بأن رواية شفرة دافنشى مستوحاه من حقائق واقعية ..
أما موقع دراسات ألفا الإلكترونى التبشيرى فقد أصدر كتيباً من 32 صفحة أورد فيه المداخلة التى قام بها القس نيكي جومبل المسؤل عن ذلك الموقع فى لندن ، وهو يرد فيه على ما اورده دان براون من معلومات وحقائق مزعجة للكيان الكنسى . كما تم وضع نفس الكتيّب على شبكة النت لمن يرغب فى طبعه او قراءته.. إضافة الى الإعلان عن توزيعه على الطوابير التى تقف او ستقف لحجز مكان لمشاهدة الفيلم !..
ومن المفترض أن يفتتح مهرجان كان السينمائى التاسع والثلاثين يوم 17 مايو الحالى ، أى بعد بضعة أيام ، بعرض فيلم "شفرة دافنشى" ، وسوف يعرض فى الدور الفرنسية فى نفس ذلك اليوم ، واعتبارا من 19 مايو ، أى بعد ذلك بيومين ، سيتم عرضه على الجمهور فى قاعات العرض الأمريكية و العالمية .
واذا ما كانت قصة الفيلم تتناول أساسا فكرة ان السيد المسيح لم يُصلب ولم يُقتل وإنما عاش وامتد به العمر وتزوج من مريم المجدلية ، فإن هذه الفكرة تحديدا ليست من بنات أفكار دان براون وانما هى ترجع إلى إنجيل فيليب الذى تم اكتشافه مع العديد من الوثائق الأخرى فى نجع حمادى بصعيد مصر سنة 1945، وتم التعتيم عليه فترة ثم تم نشره منذ بضعة سنوات .. أى انه فى واقع الأمر من الأناجيل المتعددة التى استبعدتها الكنيسة لأنها تناقض او لا تتمشى مع المنظومة التى فرضتها على الأتباع منذ القرن الرابع الميلادى. وهو نفس الشىء الذى حدث مع إنجيل يهوذا الذى تم اكتشافه آنذاك ثم تعرض للعديد من المتاهات قبل ان تقوم مجلة " ناشيونال جيوجرافيك " العالمية بترجمته ونشر نصه الشهر الماضى كما تصدر غلاف عددها الصادر فى مايو 2006.
أما القس السابق لويجى كاتشيولى ، الذى كان اول من قام برفع قضية على الكنيسة الكاتوليكية فى إيطاليا بسبب ترويجها الأكاذيب وفرضها على الأتباع وبسبب إحلالها شخصية مزيفة باسم يسوع المسيح ، وقامت المحكمة الإيطالية بحفظها ، فاضطر الى القيام برفع نفس الدعوى الى محكمة حقوق الإنسان فى مدينة ستراسبور ، فى 6 مارس 2006 ، والقضية برقم 14910/2006 ، فقد نشر تعليقا بموقعه الألكترونى حول ما تطرحه رواية دان براون من معلومات ، مؤكدا ان السيد المسيح كان متزوجا من مريم المجدلية ، مستشهدا على ذلك بما ورد فى إنجيل فيليب الذى نطالع فيه أن : " مريم ، التى كانت زوجة السيد يسوع ، كانت دائما بصحبته. وكان السيد يسوع يحب مريم المجدلية اكثر من الأتباع الآخرين وكثيرا ما كان يقبلها على فمها " . كما يستشهد كاتشيولى بما ورد بالبردية رقم 8502 فى برلين ، المسماه إنجيل مريم ، والتى تشير الى الغيرة والبغضاء بين الحواريين ، وخاصة سمعان / بطرس ، مؤكدا ما كان السيد المسيح يكنه من تمييز لمريم المجدلية إذ نطالع : " ترى هل يسوع قد تحدث سراً إلى زوجته قبل ان يحدثنا صراحة ؟ هل يتعيّن علينا جميعا ان نهان وان نخضع لها ؟ ترى هل يكون قد فضّلها علينا ؟ " ..
ويشير كاتشيولى الى أن إنجيل فيليب يتضمّن إشارة اخرى ، إذ يقول سمعان / بطرس الى باقى الحواريين : " يجب على مريم المجدلية ان ترحل عن جماعتنا لأن النساء لسن جديرات بالحياة " .. إلا ان السيد المسيح الذى سمع قوله أجابه قائلا : " سأقودها لتصبح رجلا كى يمكنها ان تكون مناضلا مثلنا " ! وذلك اضافة الى باقى التفاصيل التى يوردها فى كتابه..
وبذلك يكون كاتشيولى اول من اشار فى الفصل الثانى عشر من كتابه المعنون : " خرافة يسوع" الى لوحة العشاء الأخير التى رسمها الفنان ليوناردو دا فنشى وصور فيها مريم المجدلية عن يمين يسوع. . وهى اللوحة التى استشهد بها دان براون فى روايته مشيرا الى ان فنان عصر النهضة المبدع كان على علم بزواج السيد المسيح من مريم المجدلية. وهى اللوحة التى علّق عليها احد المداخلين قائلا : " لابد وان يكون الإنسان أعمى لكى لا يرى ان هذا الوجه يمثّل امرأة بكل وضوح"
ولعل القارىء يتساءل عن كل ردود الأفعال هذه التى اُثيرت حول رواية " شفرة دافنشى" ، وهل تستدعى فكرة زواج السيد المسيح من مريم المجدلية كل هذه الجهود المضنية من جانب المؤسسة الكنسية ؟ فهى جهود تحرّك الآلاف من جحافل المبشرين والكنسيين والأتباع الذين ينساقون لقيادتهم وتوجيهاتهم .. وهنا لابد لنا من توضيح أن الرواية ، التى يصل عدد صفحاتها فى الترجمة الفرنسية الى 570 صفحة ، تتضمن ما يكوّن حوالى خمسين صفحة من المعلومات والحقائق المتعلقة بالمسيحية وبالكيان الكنسى ، نورد منها على سبيل المثال لا الحصر مجرد ما يلى من النقاط :
* انتقاد مجمع الفاتيكان الثانى الذى خرج عن التعاليم الراسخة للكنيسة والمسيحية وفتح الباب على مصراعيه لليبرالية فى الكنيسة لتغيير العقائد وإعادة صياغتها (صفحة 186).. ولا يسع المجال هنا لسرد كل ما تم من تغيرات فى العقيدة لصالح الصهاينة وغيرها كثير - ولعل ذلك هو ما ساعد على تزايد موجة الإلحاد فى الغرب المسيحى .* اتهام الكيان الكنسى بقيادة حروب صليبية لإقتلاع الديانات الوثنية وعبادات الآلهة الأخرى فى القرون الأولى ، وانه خلال هذه القرون وطوال ما عرف بعصر الظلمات تم إحراق خمسة ملايين امرأة على المحارق بأمر من الكنيسة (صفحة 25).. ولا نقول شيئا عن الملايين الأخرى التى تم حرقها أو قتلها من الرجال والأطفال إذ تورد العديذ من المراجع الحديثة رقم 68 مليونا من البشر..
* أن الكتاب المقدس عمل بشرى كتبه العديد من الأشخاص فى فترات مختلفة ، وكثيرا ما كانت مضللة ، وتطوّر خلال العديد من الترجمات والإضافات والتعديلات (صفحة 289) .. ولعل المقدمة التى كتبها القديس جيروم ، فى القرن الرابع ، للعهد الجديد ، بعد ان قام بتبديل و تغيير نصوص العشرات من الأناجيل لكى يقوم بعمل العهد الجديد الحالى بأمر من البابا داماز لهو اكبر دليل على ما يطرحه دان براون من معلومات. وللعلم : فإن هذه المقدمة توجد ترجمتها فى عدة مواقع إلكترونية!
* انه كان هناك حوالى سبعين إنجيلا لكن الكنيسة استبعدت كل ما يخالف روايتها واحتفظت بأربعة منها فقط ، وأنها خلقت بذلك ديانة هجين مكونة من عدة نصوص وأساطير ( صفحة 290) .. ولا شك فى ان الإصدارات العلمية الحديثة والتى بدأ تيارها منذ اكثر من مائة عام تثبت بالتفصيل ما تم اخذه او نقله من تلك النصوص والأساطير ..
* انه كان من مصلحة الكنيسة آنذاك ان يتم الإعتراف بيسوع على انه المسيح الذى أعلن الأنبياء اليهود عن قدومه وانها سرقته من اتباعه الأوائل وحرّفت تعاليمه ووظفتها لفرض نفوذها (صفحة 292) .. ولا شك فى ان الإصدارات العلمية الحديثة وخاصة ما صدر منها بعد مجمع الفاتيكان الثانى ، يؤكد ذلك ، والكثير من هذه الأبحاث بأقلام كنسيين سابقين..
* ان الغالبية العظمى من المثقفين فى الغرب يعرفون هذه الحقائق ويعرفون تماما تاريخ عقيدتهم صفحة 292).. ولعل التعليق المُقنع على هذه المعلومة هو تزايد موجة الإلحاد بين الأتباع أو ابتعاد الكثيرين منهم خاصة من هم من رجالها والذين يطلق على خروجهم : النزيف الصامت للكنيسة !
* ان ما يضايق هؤلاء المثقفين هو ان يتم تأليه يسوع بعد وفاته بأكثر من ثلاثة قرون ، علما بأن هناك المئات من النصوص التى تحكى حياته كإنسان بشرى ، وان الإمبراطور قسطنطين قد أمر وقام بتمويل كتابة عهد جديد يستبعد كافة الاناجيل التى تتناول الجانب الإنسانى وتعديل ما تجعله يبدو الهياً وحرق الأناجيل الأخرى (صفحة 293) .. وهو ما دفع بواحد مثل جوزيف هويليس ، وكان من كبار رجال القانون فى الولايات المتحدة وبينما كان فى منصبه القانونى ، الى كتابة ذلك الكتاب الذى هز اركان المؤسسة الكنسية عند صدوره عام 1920 ، وكان بعنوان : " التحريف فى المسيحية " ..
* ان بعض هذه الأناجيل الأخرى قد أفلت من الإبادة وانه قد تم العثور على عدد منها فى الوثائق والمخطوطات التى تم العثور عليها فى كل من نجع حمادى بصعيد مصر ومنطقة قمران بالبحر الميت ، وان التناقضات والإختلافات الجذرية الواردة فى الأناجيل الحالية تؤكد انها عبارة عن نصوص متراكمة وتمت صياغتها من اجل برنامج سياسى هو : تعميم عملية تأليه يسوع وتدعيم السلطة القائمة آنذاك (صفحة 294) .. لقد باتت هذه المعلومة من الحقائق الدارجة إذ تورد موسوعة بريطانيكا ان هناك مائة وخمسون الف تناقض و تحريف فى الكتاب المقدس ، بينما رفع العلماء حديثا هذا الرقم الى ثلاثمائة الف فى كلا العهدين ..
* ان روما تريد اقناع العالم بأن النبى يسوع كان إلها أو انه الله ، لذلك استبعدت كل ما ينفى ذلك (صفحة 306) ، وتلك هى القضية الحقيقية بكل مرارتها أو الخلاف الرئيسى بين المسيحية والإسلام ، وهاهى قد أصبحت أيضا بين العلماء والأتباع ..
* كان يسوع يهوديا وفى أيامه كانت العذوبية مدانة وكان على كل أب يهودى ان يبحث عن زوجة صالحة لإبنه. واذا لم يتزوج يسوع فكان لا بد من الإشارة الى ذلك على الأقل فى أحد الأناجيل الأربعة ومعه تبريرا لهذا الوضع غير المألوف (صفحة 307) .. وهى حقيقة تاريخية عقائدية لفى الشرع اليهودى الذى كان السيد المسيح يتبعه و خلاف عليها .
* ان اللوحة رقم 107 بند 32 من انجيل فيليب تقول : " كانوا ثلاثة يمشون دائما مع المعلم: مريم أمه ، وأخت أمه ، ومريم المجدلية المعروف أنها كانت رفيقته (koinonos ) لأن مريم بالنسبة له كانت أختاً وأماً وزوجة " .. وفى اللوحة رقم 111 بند 55 نطالع ".. رفيقة الإبن هى مريم المجدلية والمعلم كان يحب مريم اكثر من كل التلاميذ " والمعروف ان كلمة "رفيقة" koinonos بالآرامية تعنى " زوجة" (صفحة 308) ، وهذه المعلومة تتفق وما هو معروف حول وجود قبر للسيد المسيح فى بلدة سريناجار فى الهند ، أى انه عاش وسافر حتى استقر به المطاف هناك ورفعه الله اليه عند انتهاء عمره ولم يقتل ولم يصلب .. وهو ما تتناوله العديد من الأبحاث منذ كتاب جيرارد ميسادييه المعنون : "الرجل الذى أصبح الله " !
* ان أحد أسباب الحروب الصليبية كان البحث عن أية وثائق تتضمن معلومات عن مريم المجدلية التى كانت تمثل خطرا داهما على الكنيسة آنذاك ، فقد كان يسوع قد اسند اليها هى تكملة الرسالة وليس الى بطرس، بل كانت تمثل الدليل المادى على أن "ابن الله " الذى اخترعته الكنيسة قد انجب خلفا بشرياً ! وانه لكى تحمى نفسها من وضع مريم المجدلية قامت الكنيسة بفرض صورتها كعاهرة ومحت أثر زواجها بيسوع .. إذ كان من المحال للكنيسة ان تستمر بعد ذياع خبر زواج يسوع وإنجابه.. ولكى يمكن للمؤسسة الكنسية إعلان أنها وحدها هى طريق الخلاص والحياة الأبدية ، كان لا بد لها من فرض وتأكيد الوهية المسيح (صفحة 318) .. والدليل على أن السيد المسيح لم يشأ أن يكون بطرس هو خليفته ، كما فعلت المؤسسة الكنسية ، ما نطالعه فى إنجيل متى عندما وصفه السيد المسيح بأنه " قليل الإيمان "(متى 14:31) وعندما التفت : " وقال لبطرس إذهب عنى يا شيطان أنت معثرة لى لأنك لا تختم بما لله لكن بما للناس" (متى 26:23) ..
وإذا ما تأملنا كل هذه النقاط وغيرها كثير ، لوجدنا أنها عبارة عن حقائق أصبحت واردة فى معظم الأبحاث التي بدأت تظهر منذ عصر التنوير ، بشق طريقها بصعوبة فائقة ، وتواصلت حتى يومنا هذا ، فى تزايد لافت للنظر ، بحيث أصبحت مثل هذه المعلومات ، فى الإصدارات التى ظهرت فى العقود القليلة الماضية ، تبدو وكأنها عبارة عن معلومات دارجة بين العلماء والباحثين من كثرة ما صاحبها من دراسات قائمة على الوثائق والتحليلات اللغوية ومراجعة الترجمات السابقة. وهو ما دفع بأحد العلماء ليقول أن الفرق الذى يوجد بين ما توصل اليه العلماء والباحثين فى أصول المسيحية وتاريخها و بين عامة الجمهور هو جهل يصل الى درجة الأمية ! فما يعرفه العلماء فى وادٍ ، وما يُسمح بنشره للعامة فى وادٍ آخر - وهى بكل أسف حقيقة نعيشها فى العديد من المجالات وليس فى تاريخ المسيحية وحدها !..
أى أن ما قام به دان براون فى الواقع هو دمج بعض المعلومات والحقائق أو المعطيات العلمية التاريخية فى قصة روائية رائعة الحبكة ، من خلال حوار مختصر ، واضح ، وبسيط بين ابطالها. .
ويبقى التساؤل مطروحا حتى ظهور الفيلم وعرضه على الجمهور : ترى هل نجح العاملون فى المجال السينمائى فى نقل كل تلك الحقائق الثابتة علميا وتاريخيا ، والتى أوردها دان براون بوضوح، أم ان مقص الرقباء قد لعب دورا بين الكواليس ؟! وإن كان هذا التساؤل التقليدى فى حد ذاته لا يمنع من أن نتأمل كل تلك ردود الأفعال التى دبّت بين أرجاء المؤسسة الكنسية للحيلولة دون وصول هذا الفيلم الى الجمهور أو للتعتيم و التشويش على ما يقدمه من حقائق ..
فإن كان ما تتضمنه رواية " شفرة دافنشى " مجرد فريات وإدعاءات وأكاذيب ، كما تردد كافة المؤسسات الكنسية والمواقع الإعلامية والإلكترونية التابعة لها ، هل كان الأمر يتطلب كل تلك الجهود المستميتة التى لم نُشر إلا إلى جزء ضئيل منها مما تم فى فرنسا وحدها ؟! بل هل كانت تلك الأكاذيب والفريات تستدعى أن يتم مصادرة الترجمة العربية للرواية ومنع تداولها فى بعض البلدان العربية والإسلامية التى يتألق فيها نفوذ المؤسسة الكنسية ؟!
وتبقى علامات الإستفهام مطروحة